الشباب والانتخابات.. من يريد المستقبل عليه أن يكسب ثقة الجيل الجديد

الحسن المودن: مقال رأي

مع اقتراب الانتخابات، يعود الحديث من جديد عن المشاركة السياسية ونسبة الإقبال على صناديق الاقتراع، لكن النقاش الحقيقي يجب أن يتجاوز الأرقام والنسب، لطرح سؤال أكثر أهمية: ماذا عن الشباب؟ وأين موقعهم من العملية السياسية والانتخابية؟

الرهان اليوم هو على الشباب، ليس كشعار انتخابي يتكرر في كل مناسبة، وإنما باعتبارهم جزءاً أساسياً من حاضر البلاد ومستقبلها. فلا يمكن لأي حكومة أن تدعي أنها حصلت على شرعية سياسية مطلقة في ظل غياب أو عزوف شريحة واسعة من الشباب عن المشاركة. فهؤلاء الشباب هم من سيعيشون نتائج القرارات التي تتخذ اليوم، وهم المعنيون أكثر من غيرهم بما ستعرفه البلاد خلال السنوات المقبلة من تحولات اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية.

الشاب الذي لا يذهب إلى صناديق الاقتراع ليس بالضرورة شاباً غير مبالٍ بمستقبل بلده. أحياناً يكون العزوف نتيجة فقدان الثقة، وأحياناً بسبب الشعور بأن الانتخابات لا تغير شيئاً، أو لأن الخطاب السياسي لم يعد قادراً على الوصول إليه وإقناعه بأن صوته له قيمة.

لكن، في المقابل، لا يمكن أن تكون الإجابة عن هذا الوضع هي الاستمرار في الابتعاد عن السياسة. الشباب مطالبون اليوم بأن ينفتحوا أكثر على الشأن العام، وأن يطوروا وعياً سياسياً يجعلهم قادرين على فهم البرامج، ومناقشة السياسات العمومية، ومحاسبة المسؤولين، واتخاذ قراراتهم بشكل واعٍ.

وليس مطلوباً من كل شاب أن ينتمي إلى حزب سياسي أو أن يصبح مرشحاً للانتخابات. السياسة أوسع من الانتماء الحزبي. أن تعرف من يصنع القرار، وأن تفهم برنامجه، وأن تراقب أداءه، وأن تختار يوم الاقتراع بناءً على قناعة، كل ذلك شكل من أشكال المشاركة السياسية.

وفي بعض الأحيان قد لا يجد الناخب أمامه الخيار المثالي، لكن ذلك لا يعني أن يتخلى عن حقه في الاختيار. يمكنه أن يبحث عن الشخص أو البرنامج الذي يراه أكثر ملاءمة، أو على الأقل عن الخيار الأقل ضرراً، بدل ترك المجال للآخرين ليقرروا مستقبله نيابة عنه.

لكن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم. الأحزاب السياسية مطالبة، وربما أكثر من أي وقت مضى، بإعادة بناء جسور الثقة مع الأجيال الجديدة. فالشباب الذين ستطلب منهم الأحزاب أصواتهم اليوم ليسوا هم شباب الأمس. نحن أمام جيل نشأ في عالم مختلف، جيل يعيش مع التكنولوجيا، ومنصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، وسرعة الوصول إلى المعلومة، ويستطيع في دقائق أن يقارن بين التجارب والبرامج والخطابات.

ولهذا، من الصعب أن تقنع هذا الجيل بخطاب سياسي تقليدي، أو بلغة خشبية مليئة بالشعارات والوعود العامة. الشباب يريدون كلاماً واضحاً وإجابات حقيقية عن أسئلة بسيطة لكنها تمس حياتهم مباشرة: أين فرص الشغل؟ كيف يمكن للشاب أن يحصل على سكن؟ ماذا عن جودة التعليم والصحة؟ كيف يمكن دعم المقاولات والمشاريع الصغيرة؟ وما هي فرص الشباب في المدن والقرى على حد سواء؟

الأحزاب مطالبة بأن تعيد صياغة برامجها انطلاقاً من واقع الأجيال الصاعدة، وليس انطلاقاً من عقليات الأجيال السابقة. فالمجتمع يتغير بسرعة، والسياسة مطالبة بأن تتغير معه. ولا يمكن أن نبني سياسات المستقبل بعقلية تنتمي إلى الماضي.

كما أن طريقة التواصل تحتاج إلى مراجعة حقيقية. لم يعد كافياً تنظيم تجمعات انتخابية ورفع الشعارات وتوزيع الوعود. الأحزاب مطالبة بأن تكون حاضرة في الفضاء الذي يعيش فيه الشباب، وأن تستعمل التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل بطريقة أكثر احترافية، وأن تتحدث بلغة يفهمها الشباب ويشعر بأنها موجهة إليه فعلاً، لا بلغة سياسية جامدة تزيد المسافة بينه وبين الفعل السياسي.

والأهم من كل ذلك هو إعادة الثقة. والثقة لا تُبنى بالوعود الانتخابية، وإنما بالممارسة. عندما يرى الشاب وجوهاً جديدة، وكفاءات حقيقية، ونماذج ناجحة، وأشخاصاً يصلون إلى المسؤولية بفضل العمل والكفاءة وليس فقط بسبب الاسم أو النفوذ أو العلاقات، فإنه سيبدأ في النظر إلى السياسة بطريقة مختلفة.

وهنا لا بد من الحديث بصراحة عن ضرورة القطع مع منطق ترشيح الأعيان وأفراد العائلات نفسها في كل انتخابات، وكأن المجال السياسي أصبح حكراً على أسماء محددة. لا يتعلق الأمر بإقصاء الأعيان أو أصحاب التجارب، وإنما بفتح الباب أمام المنافسة الحقيقية وإعطاء فرصة للكفاءات والطاقات الجديدة، خصوصاً الشباب.

الشاب المغربي يريد أن يشعر بأن البرلمان والجماعات والمؤسسات المنتخبة يمكن أن تكون أيضاً فضاءً له، وأنه قادر على الوصول إليها إذا امتلك الكفاءة والمشروع والثقة، وليس فقط إذا كان ينتمي إلى عائلة معروفة أو يملك شبكة علاقات واسعة.

فالانتخابات ليست مجرد يوم نضع فيه ورقة داخل صندوق. إنها لحظة لاختيار من سيدبر الشأن العام، ومن سيضع القوانين، ومن سيدافع عن مصالح المواطنين، ومن سيتحمل مسؤولية القرارات التي ستؤثر على حياة الناس لسنوات.

لذلك، فإن عزوف الشباب عن الانتخابات يجب ألا يُنظر إليه فقط باعتباره مشكلة لدى الشباب، بل باعتباره رسالة سياسية واضحة إلى الأحزاب والمؤسسات. رسالة تقول ببساطة إن هناك جيلاً جديداً يريد أن يسمع خطاباً جديداً، ويرى وجوهاً جديدة، ويجد برامج حقيقية، ويشعر بأن صوته مسموع وأن مشاركته لها معنى.

الشباب ليسوا فقط “مستقبل الوطن”، كما اعتدنا أن نقول في الخطب والمناسبات. الشباب هم حاضر الوطن أيضاً، وهم اليوم قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها.

ومن يريد أن يربح الانتخابات فقط، قد ينجح في جمع الأصوات. أما من يريد أن يربح المستقبل، فعليه أولاً أن يربح ثقة الشباب.

لأن الرهان الحقيقي في الانتخابات المقبلة ليس فقط على عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما على قدرة الفاعل السياسي على إعادة الشباب إلى قلب الحياة السياسية، وإقناعهم بأن المشاركة ليست مضيعة للوقت، وأن صوتهم يمكن أن يصنع فرقاً.

صوت الشباب ليس مجرد رقم في صناديق الاقتراع، بل هو صوت الجيل الذي سيعيش مغرب الغد ويصنع ملامحه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى