
بعد انتهاء فترة إيداع الترشيحات، تتجه أنظار المتابعين بإقليم اشتوكة آيت باها إلى سباق انتخابي مفتوح على ثلاثة مقاعد برلمانية، في ظل مشاركة حزبية لافتة تعكس تعدد الرهانات وتنوع التوجهات السياسية داخل الدائرة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى دخول 21 لائحة حزبية غمار المنافسة، وهو رقم يرفع منسوب التنافس بشكل واضح، ويجعل حسم المقاعد الثلاثة مرتبطاً بقدرة كل لائحة على تعبئة كتلتها الانتخابية، وتحويل الحضور التنظيمي والسياسي إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع.
وتأتي هذه المنافسة في دائرة سبق أن أفرزت خلال انتخابات 2021 نتائج متقاربة نسبياً بين عدد من القوى الرئيسية؛ إذ تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بحوالي 37 ألف صوت، متبوعاً بحزب الاستقلال بحوالي 25 ألف صوت، ثم الأصالة والمعاصرة بحوالي 24.7 ألف صوت.
وبالنظر إلى تركيبة السباق الحالي، فإن المعركة لا تبدو محصورة فقط بين الأحزاب التي تتوفر على حضور انتخابي قوي، بل أصبحت أمام مشهد أكثر تشعباً، مع دخول أحزاب عديدة تسعى إلى بناء حضورها أو تحسين موقعها داخل الخريطة السياسية المحلية.
هذا العدد المرتفع من اللوائح قد يكون له تأثير مباشر على طبيعة المنافسة، خصوصاً أن المقاعد المتاحة لا تتجاوز ثلاثة. فكلما ارتفع عدد المتنافسين، أصبح من الصعب على عدد كبير من اللوائح تجميع كتلة انتخابية كافية للوصول إلى المراتب المؤهلة للفوز، في وقت يمكن فيه لتوزع الأصوات بين عدد أكبر من المرشحين أن يعيد رسم ترتيب القوى في الدائرة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كثرة اللوائح ستغير موازين القوى بشكل جذري، لكنها تفتح الباب أمام سيناريو انتخابي أكثر تعقيداً، تكون فيه الهوامش الصغيرة للأصوات أكثر أهمية، وقد يصبح الفارق بين الفوز والخسارة مرتبطاً بقدرة كل حزب على الحفاظ على أصواته التقليدية واستقطاب أصوات جديدة.
كما أن تعدد اللوائح قد يؤدي إلى تقسيم الكتلة الناخبة بين عدة اختيارات، خاصة بالنسبة للناخبين الذين كانوا يميلون في السابق إلى التصويت على عدد محدود من الأحزاب. وفي مثل هذه الحالة، فإن الأحزاب ذات القواعد الانتخابية الأكثر تماسكاً قد تستفيد نسبياً من تشتت الأصوات، بينما قد تجد لوائح أخرى صعوبة في تجاوز العتبة الانتخابية الفعلية التي تسمح لها بالمنافسة على المقاعد.
وتزداد أهمية هذا المعطى في اشتوكة آيت باها بالنظر إلى التحولات التي عرفتها الخريطة الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، حيث أظهرت انتخابات 2021 ارتفاعاً ملحوظاً في الكتلة الانتخابية لبعض الأحزاب مقارنة مع استحقاق 2016، مقابل عدم تمكن عدد من الأحزاب الأخرى من الوصول إلى مستويات انتخابية مماثلة.
وفي المقابل، فإن السباق الحالي يحمل أيضاً عناصر جديدة، من بينها تجديد بعض الأحزاب لثقتها في أسماء سبق أن خاضت المنافسة، مقابل تقديم أحزاب أخرى لمرشحين جدد، وهو ما يجعل العامل الشخصي والقدرة على التواصل مع الناخبين حاضرين بقوة إلى جانب الانتماء الحزبي.
كما أن نتائج الانتخابات الجزئية التي عرفها الإقليم خلال ماي الماضي، والتي تمكن خلالها كل من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال من تحقيق نتائج في بعض الدوائر، تقدم مؤشرات محدودة عن استمرار حضور هذه القوى ميدانياً، وإن كان من الصعب إسقاط نتائج الانتخابات الجزئية بشكل مباشر على الانتخابات التشريعية.
وبذلك، تبدو انتخابات اشتوكة آيت باها أمام معادلة واضحة: ثلاثة مقاعد فقط مقابل عدد كبير من المتنافسين. وهذه المعادلة تجعل الفوز مرتبطاً ليس فقط بعدد الأصوات التي يستطيع كل حزب الحصول عليها، وإنما أيضاً بدرجة تشتت الأصوات بين باقي المنافسين.
وفي ظل هذا المشهد، يصعب تقديم نتائج مسبقة أو الجزم بهوية الفائزين، لأن الحملة الانتخابية وما ستفرزه من تحالفات ميدانية، وقدرة المرشحين على التعبئة، ونسب المشاركة، وتوزيع الأصوات جغرافياً، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في الترتيب النهائي.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي خلال الأيام المقبلة لن يكون فقط على رفع عدد الأصوات، بل على من يستطيع الحفاظ على تماسك كتلته الانتخابية، ومن ينجح في استقطاب الأصوات المترددة، ومن يتمكن من تحويل الحضور السياسي والتنظيمي إلى مشاركة فعلية يوم الاقتراع.
ومع دخول 21 لائحة السباق، تبدو اشتوكة آيت باها أمام واحدة من أكثر المنافسات الانتخابية تعقيداً، حيث قد لا تكون المفاجأة في عدد المقاعد، بل في هوية أصحاب المراتب الثلاث الأولى والفوارق التي ستفصل بينهم.





