
بقلم: عادل البار، محام وعضو المجلس الجماعي لأكادير
شكل الإعلان الأخير للمملكة المتحدة، الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس “الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق” لحل قضية الصحراء المغربية، “شكل، منعطفاً دبلوماسياً بالغ الأهمية وحدثاً يستحق التوقف عنده بالتحليل والتأمل، ليس فقط لتداعياته السياسية المباشرة، بل لما يكشفه عن ديناميكية دولية متنامية تقر بعدالة الموقف المغربي وواقعية مقترحه الجاد.
إن هذا الموقف الصادر عن لندن، العاصمة ذات الثقل التاريخي والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، لا يمكن اعتباره مجرد تصريح عابر أو مجاملة دبلوماسية. بل هو، كما أكد على ذلك وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، “تحول وتطور مهم” يعكس قناعة راسخة لدى أحد الفاعلين الدوليين المحوريين. ويكتسب هذا التحول زخماً إضافياً بالنظر إلى التأثير الدولي المعروف للمملكة المتحدة وقدرتها على المساهمة في تشكيل المواقف داخل المنتظم الأممي.
إن انضمام بريطانيا الصريح إلى قائمة الدول الوازنة التي تدعم المبادرة المغربية، بعد الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وغيرها، يؤكد أن مسار الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء وبجدية مقترح الحكم الذاتي هو مسار “متزايد ولا رجعة فيه”.
من منظور قانوني وسياسي، يمثل الموقف البريطاني إقراراً بانسجام المبادرة المغربية للحكم الذاتي مع مقتضيات الشرعية الدولية ومع التوجهات الحديثة لحل النزاعات الإقليمية. فمقترح الحكم الذاتي، الذي قدمه المغرب سنة 2007، يوازن ببراعة بين الحق في التنمية والتدبير الذاتي للشؤون المحلية لسكان الأقاليم الجنوبية، وبين ضرورة الحفاظ على سيادة المملكة ووحدتها الترابية، وهو ما يتوافق مع مفهوم تقرير المصير كما تطور في الممارسة الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، التي ما فتئت تصف المقترح المغربي بالجاد وذي المصداقية.
إن دعم لندن لهذا المقترح هو اعتراف بأن الحلول المتجاوزة التي تتمسك بها أطراف أخرى لم تعد تساير الواقع ولا تخدم الاستقرار الإقليمي. بل إن هذا الموقف، كما يرى البعض، قد يمثل بداية لتصحيح مسار تاريخي، حيث كانت بريطانيا طرفاً في اتفاقيات سابقة أثرت على الوضع في المنطقة، لكنها تعود اليوم لتتبنى رؤية تتماشى مع الحقائق التاريخية والجغرافية والسياسية على الأرض.
ولا يمكن فصل هذا التحول السياسي عن أبعاده الاقتصادية الواعدة. فالإشارة إلى دراسة جهات استثمارية بريطانية لضخ استثمارات في الأقاليم الجنوبية، والحديث عن تخصيص مبالغ هامة لتمويل مشاريع تنموية تشمل هذه المناطق، ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو تأكيد عملي على الاعتراف بالسيادة المغربية وبمناخ الاستقرار والأمن الذي تنعم به هذه الربوع.
إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية هي الرد الأبلغ على الأطروحات الانفصالية، والموقف البريطاني يأتي ليعزز هذا المسار التنموي الواعد، وهو ما نلمسه كممثلين للمواطنين في المجالس المنتخبة، حيث نسعى لتعزيز جاذبية التراب الوطني للاستثمارات وخلق فرص الشغل لشبابنا، بما في ذلك في أقاليمنا الجنوبية العزيزة.
إن الدبلوماسية المغربية، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والتي تقوم على الوضوح والطموح، تواصل حصد النتائج الإيجابية. فالموقف البريطاني الجديد ليس حدثاً معزولاً، بل هو حلقة جديدة في سلسلة النجاحات الدبلوماسية التي تعزز الموقف المغربي وتضيق الخناق على خصوم الوحدة الترابية.
إن هذا الزخم الدولي المتصاعد، والذي يرى في مبادرة الحكم الذاتي الحل الواقعي والعملي الوحيد، يؤكد صواب الاختيار المغربي ويدفع بالمسار الأممي نحو إيجاد حل سياسي نهائي قائم على هذه المبادرة، في إطار السيادة المغربية الكاملة على صحرائه.
في الختام، نرحب بهذا الموقف البريطاني المسؤول والتاريخي، ونعتبره خطوة إضافية نحو الطي النهائي لهذا النزاع المفتعل. إنه تأكيد جديد على أن المغرب، بقوة إجماعه الوطني وعدالة قضيته ووجاهة مقترحه، ماضٍ بثبات نحو ترسيخ سيادته على كامل أراضيه، وبناء مستقبل مشرق لأبناء الأقاليم الجنوبية في ظل الوحدة والرخاء.





