
في خضم الأجواء الحماسية التي ترافق مباريات كأس الأمم الإفريقية، حيث تتعالى الهتافات وتتقاطع الانفعالات مع كل تمريرة وهجمة، لفت مشهد غير مألوف أنظار الجماهير داخل المغرب وخارجه. مشجع كونغولي يقف صامتاً، ثابتاً، دون حراك طيلة التسعين دقيقة، في صورة بدت للوهلة الأولى غريبة، لكنها سرعان ما انكشفت كرسالة رمزية عميقة تتجاوز حدود التشجيع الرياضي لتلامس ذاكرة القارة الإفريقية وتاريخها السياسي.
هذا المشهد لم يكن وليد الصدفة، بل يحمل في طياته دلالة قوية مرتبطة بذكرى الزعيم الكونغولي الراحل باتريس لومومبا، أحد أبرز رموز التحرر الإفريقي. فالصمت هنا ليس فراغاً، بل خطاباً سياسياً بليغاً، والوقوف ليس جموداً، بل فعل مقاومة ووفاء للتاريخ.
المشجع الذي أثار هذا الجدل يُعرف باسم ميشيل كوكا مبولادينجا، ويُلقب بين الجماهير بـ“لومومبا فيفا”. يظهر في المدرجات مرتدياً بدلة رسمية أنيقة، في وضعية أقرب إلى التمثال، أحياناً يرفع يده، وأحياناً يثبت نظره نحو الملعب، دون أن ينخرط في الهتاف أو الحركة. هذه الوقفة ليست بحثاً عن لفت الانتباه، بل طقس رمزي يستحضر من خلاله ذكرى أول رئيس وزراء منتخب في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
في وقت تطالب فيه الجماهير بالأهداف والانتصارات، يرفع كوكا مطلباً من نوع آخر: العدالة، والاعتراف بالتاريخ، وعدم نسيان ضحايا الاستعمار. هكذا تتحول كرة القدم، في هذا السياق، إلى امتداد للنضال السياسي والوعي الجماعي، وتغدو المدرجات مساحة للتذكير بقضايا لم تُغلق بعد.
ويظل اسم باتريس لومومبا (1925-1961) حاضراً بقوة في هذا المشهد. فقد قاد الحركة الوطنية الكونغولية ضد الاستعمار البلجيكي، وبعد الاستقلال في يونيو 1960، تولى رئاسة الحكومة، قبل أن يدخل في مواجهة مباشرة مع القوى الاستعمارية من خلال خطابه الشهير الذي فضح ممارسات بلجيكا خلال حفل تسليم السلطة. ذلك الخطاب، الذي عُرف بخطاب “الدموع والدم والنار”، جعله هدفاً لتآمر داخلي وخارجي.
لم يدم حلم لومومبا طويلاً، إذ أُطيح به بعد أشهر قليلة، وتم تسليمه إلى خصومه في إقليم كاتانغا، حيث أُعدم رمياً بالرصاص في 17 يناير 1961، وسط اتهامات مباشرة بتورط قوى استعمارية في تصفيته. ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل جرى لاحقاً تقطيع جثمانه وإذابته في الحمض في محاولة لطمس معالم الجريمة، ما جعل منه رمزاً خالداً للظلم الاستعماري وللمقاومة الإفريقية.
في هذا السياق، تتحول وقفة ميشيل كوكا إلى رسالة متعددة الأبعاد: رفض للنسيان، واحتجاج صامت على إفلات المسؤولين عن اغتيال لومومبا من المحاسبة، وتأكيد على أن فكرة التحرر والوحدة التي ناضل من أجلها الزعيم الكونغولي لا تزال حية في وجدان أبناء القارة.
كل مباراة يقف فيها هذا المشجع، تتحول المدرجات إلى منصة تاريخية، ويصبح التشجيع فعلاً رمزياً يتجاوز الرياضة. إنها وقفة تختصر معنى عميقاً: قد يُغتال الرجال، لكن الأفكار تظل عصية على الإعدام. هو





