من منتخب يبحث عن ذاته إلى قوة آسيوية صاعدة.. كيف غير المدربان المغربيان عموتة والسلامي تاريخ الكرة الأردنية؟

خلال السنوات العشر الأخيرة، مر المنتخب الأردني لكرة القدم بمراحل متباينة بين الطموح والإخفاق، وبين الاقتراب من تحقيق الإنجازات والعودة إلى نقطة الصفر. غير أن السنوات الثلاث الأخيرة شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ “النشامى”، بعدما نجح المدربان المغربيان الحسين عموتة وجمال السلامي في قيادة المنتخب نحو أفضل فترة عرفها منذ تأسيسه.

فعلى امتداد الفترة ما بين 2016 و2023، ظل المنتخب الأردني يحافظ على حضوره في المشهد الآسيوي دون أن يتمكن من فرض نفسه ضمن دائرة الكبار. ورغم امتلاكه لمواهب واعدة ولاعبين مميزين، إلا أن نتائجه كانت تتسم بالتذبذب، كما عانى من عدم الاستقرار الفني وتعدد الأجهزة التقنية، الأمر الذي انعكس على مردوده في المنافسات القارية والدولية.

وخلال تلك المرحلة، لم ينجح الأردن في تجاوز سقف ربع نهائي كأس آسيا الذي ظل أفضل إنجاز له، كما بقي حلم التأهل إلى نهائيات كأس العالم بعيد المنال. أما على مستوى التصنيف العالمي، فقد تراجع المنتخب في أكثر من مناسبة إلى ما بعد المركز الثمانين عالمياً، ما عكس حجم الصعوبات التي كان يواجهها في منافسة أقوى المنتخبات الآسيوية.

لكن المشهد بدأ يتغير بشكل واضح مع تعيين المدرب المغربي الحسين عموتة على رأس الإدارة التقنية للمنتخب سنة 2023. فقد جاء الرجل بخبرة كبيرة في إدارة المنتخبات والفرق العربية والإفريقية، ونجح في فترة قصيرة في إحداث ثورة حقيقية داخل المجموعة الأردنية.

أولى ملامح هذا التحول تمثلت في بناء هوية تكتيكية واضحة للمنتخب، قائمة على الانضباط الدفاعي والانتقال السريع نحو الهجوم واستغلال إمكانيات اللاعبين في المساحات المفتوحة. كما عمل عموتة على تطوير الجانب الذهني للاعبين، وغرس ثقافة الفوز والإيمان بالقدرة على منافسة أقوى المنتخبات في القارة.

وجاءت بطولة كأس آسيا لتؤكد نجاح المشروع المغربي. فخلافاً لكل التوقعات، شق المنتخب الأردني طريقه نحو المباراة النهائية لأول مرة في تاريخه، بعدما أطاح بمنتخبات كبيرة مثل العراق وكوريا الجنوبية. ورغم خسارته المباراة النهائية أمام قطر، إلا أن الأردن خرج من البطولة باعتباره أكبر مفاجأة إيجابية وأحد أبرز المستفيدين من المنافسة.

ولم يكن الإنجاز الآسيوي مجرد نتيجة عابرة، بل مثل بداية مرحلة جديدة للكرة الأردنية. فقد تحسن ترتيب المنتخب عالمياً، وازدادت ثقة اللاعبين في إمكانياتهم، كما بدأ الأردن يفرض احترامه على مستوى القارة الآسيوية.

وعندما غادر الحسين عموتة منصبه سنة 2024، كان التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على المكتسبات وعدم العودة إلى نقطة البداية. وهنا جاء قرار الاتحاد الأردني بالاستمرار في المدرسة المغربية من خلال التعاقد مع جمال السلامي.

ورغم صعوبة المهمة، نجح السلامي في البناء على الأسس التي وضعها سلفه، محافظاً على الاستقرار الفني للمنتخب ومضيفاً بعض اللمسات التكتيكية التي ساهمت في تطوير الأداء الجماعي للفريق.

وكان الإنجاز الأكبر في عهد السلامي هو قيادة المنتخب الأردني إلى تحقيق الحلم الذي انتظرته الجماهير لعقود طويلة، والمتمثل في التأهل لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم 2026. فهذا الإنجاز لم يكن مجرد تأهل رياضي، بل محطة تاريخية وضعت الأردن بين كبار المنتخبات العالمية ومنحت الكرة الأردنية مكانة غير مسبوقة على الساحة الدولية.

ومن خلال قراءة موضوعية لمسار المنتخب خلال العقد الأخير، يتضح أن الفارق بين مرحلتي ما قبل وما بعد المدرسة المغربية لا يقاس فقط بعدد الانتصارات أو النتائج المحققة، بل يتجلى أساساً في التحول العميق الذي عرفته شخصية المنتخب وهويته التنافسية. فالأردن الذي كان يكتفي بالمشاركة أصبح ينافس على الألقاب، والمنتخب الذي كان يحلم بالتأهل إلى كأس العالم أصبح أحد ممثلي آسيا في أكبر تظاهرة كروية على وجه الأرض.

لقد نجح الحسين عموتة في بناء المشروع وصناعة العقلية الجديدة، فيما تمكن جمال السلامي من استثمار هذا العمل وتحويله إلى إنجاز تاريخي غير مسبوق. وبين المدربين المغربيين، عاشت الكرة الأردنية أفضل سنواتها على الإطلاق، في تجربة تؤكد مرة أخرى القيمة الكبيرة التي باتت تمثلها المدرسة التدريبية المغربية على المستوى العربي والقاري.

وبالنظر إلى حجم التحول الذي شهده المنتخب الأردني خلال فترة وجيزة، يمكن القول إن السنوات الممتدة بين 2023 و2026 ستبقى محفورة في ذاكرة الجماهير الأردنية باعتبارها العصر الذهبي الحقيقي لـ”النشامى”، وهي الفترة التي انتقل فيها المنتخب من مجرد منافس آسيوي طموح إلى منتخب عالمي يشارك في نهائيات كأس العالم ويحظى باحترام الجميع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى