بعد ارتفاع أسعار المحروقات، هل يتحمل المواطن كلفة غياب المخزون الاستراتيجي؟

الحسن المودن

عرفت أسعار المحروقات في المغرب زيادات جديدة مع مطلع شهر مارس 2026، ما زاد من الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين في ظرف اقتصادي دقيق. وقد بلغت هذه الزيادات حوالي 0.25 درهم للتر في بعض الأنواع، وجاءت في سياق دولي شديد التوتر نتيجة التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من استهداف منشآت نفطية في دول الخليج.

هذا الوضع دفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بشكل حاد، متجاوزة سقف 80 دولاراً للبرميل، الأمر الذي انعكس سريعاً على السوق الوطنية.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو سبب هذا التأثر السريع للأسعار الداخلية بالتقلبات الدولية، رغم أن التشريع المغربي ينص على ضرورة توفر مخزون استراتيجي من المحروقات يكفي لتغطية الاستهلاك الوطني لمدة 60 يوماً. فالمفروض أن يشكل هذا المخزون آلية لحماية السوق المحلية من الصدمات الظرفية وتقلبات الأسعار العالمية، وضمان قدر من الاستقرار في التزويد والأسعار.
التطورات الأخيرة في منطقة الخليج، التي تعد شرياناً أساسياً لإمدادات الطاقة في العالم، أدت إلى خلق حالة من القلق في الأسواق الدولية، خصوصاً مع التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك النفطي العالمي. هذا المناخ المضطرب يدفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل فوري، وهو ما تنقله الشركات المستوردة إلى السوق المغربية دون تأخير، في غياب آليات فعالة لعزل المستهلك عن هذه الارتدادات السريعة.
المثير للجدل أن معطيات حديثة تشير إلى أن المخزون الاستراتيجي الفعلي للمغرب لا يغطي سوى ما بين 18 و31 يوماً من الاستهلاك، أي أقل بكثير من الحد الأدنى المنصوص عليه قانوناً. كما سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه إلى الصعوبات التي تواجهها المملكة في بلوغ مستوى الأمان المطلوب من حيث الاحتياطي من المواد البترولية. هذا الفرق الواضح بين النص القانوني والواقع العملي يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الشركات المعنية بتكوين المخزون الكافي، وحول نجاعة آليات المراقبة المفروضة عليها.
ولو كان هذا المخزون متوفراً بالقدر القانوني المطلوب، لكان بالإمكان تزويد السوق المحلية بالمحروقات التي تم اقتناؤها بأسعار أقدم وأقل، بدل ربط الأسعار بشكل مباشر وفوري بتقلبات السوق الدولية. غير أن ضعف الاحتياطي يجعل المغرب عرضة لأي ارتفاع عالمي، ويحول المستهلك إلى الحلقة الأضعف في معادلة لا تراعي التوازن بين مصالح الشركات وقدرة المواطنين الشرائية.
في هذا السياق، يرى متابعون أن الزيادات الحالية يصعب تبريرها من الناحية التقنية، لأن جزءاً مهماً من المحروقات المعروضة في المحطات تم استيراده قبل اندلاع موجة التصعيد الأخيرة. وبالتالي فإن رفع الأسعار بشكل سريع يمنح الشركات هامش ربح إضافياً دون أن تكون قد تحملت بعد الكلفة الحقيقية للأسعار الدولية الجديدة. كما يطرح هذا الوضع علامات استفهام حول دور الهيئات الرقابية، وعلى رأسها مجلس المنافسة ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، في فرض احترام القوانين المنظمة للمخزون الاستراتيجي ومحاسبة المخالفين.
إن استمرار هذا الوضع يهدد الثقة في منظومة تسعير المحروقات ويزيد من الاحتقان الاجتماعي، خاصة في ظل تأثير هذه الزيادات على باقي القطاعات الحيوية كالنقل والمواد الغذائية والخدمات. فالمحروقات ليست سلعة معزولة، بل عنصر أساسي في سلسلة الإنتاج والتوزيع، وأي ارتفاع فيها ينعكس بشكل مباشر على كلفة المعيشة.
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى تدخل حكومي حازم يضع مسألة الأمن الطاقي في صدارة الأولويات، من خلال فرض احترام الالتزامات القانونية المتعلقة بالمخزون الاستراتيجي، وتفعيل آليات المراقبة والعقوبات عند الاقتضاء. كما أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين تقتضي سياسات استباقية تقلل من ارتهان السوق الوطنية للتقلبات الدولية المفاجئة. فاستقرار أسعار المحروقات لم يعد مسألة اقتصادية فقط، بل أصبح رهاناً اجتماعياً وسيادياً يرتبط مباشرة بأمن البلاد الطاقي وبكرامة عيش المواطنين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى