
الحسن المودن :
تشهد أسعار المحروقات في المغرب خلال الأسابيع الأخيرة موجة ارتفاعات جديدة أثارت قلقًا واسعًا لدى المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، في ظل تأثيرات مباشرة على القدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج والنقل. وتأتي هذه الزيادات في سياق معقد تتداخل فيه عوامل دولية مرتبطة بأسواق الطاقة مع إشكالات داخلية مرتبطة بتدبير المخزون الاستراتيجي للمحروقات.
وبحسب المعطيات المتداولة في السوق، فقد سجلت أسعار الوقود ابتداءً من مساء اليوم 15 مارس 2026 زيادات جديدة، حيث ارتفع سعر الغازوال بحوالي درهمين للتر، فيما صعد سعر البنزين بنحو 1.44 درهم. هذه الزيادات المتتالية تنعكس بشكل مباشر على كلفة النقل والسلع والخدمات، ما يهدد بموجة تضخم جديدة تمس مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويرتبط جزء من هذه التطورات بالوضع الجيوسياسي في منطقة الخليج، خاصة مع التوترات التي يعرفها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. ويُعد هذا المضيق شريانًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة الدولية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط في الأسواق العالمية. ونظرًا لاعتماد المغرب على الاستيراد لتغطية أكثر من 90 في المائة من حاجياته من المحروقات، فإن أي تقلب في الأسعار الدولية ينعكس بشكل مباشر على السوق الوطنية.
ويرى خبراء في مجال الطاقة أن استمرار التوترات أو أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاعات قياسية في أسعار النفط، قد تصل إلى مستويات غير مسبوقة. وفي هذا السياق، سبق لرئيس مجلس المنافسة أحمد رحو أن أشار إلى أن أسعار المحروقات في المغرب قد تبلغ حوالي 17 درهمًا للتر إذا استمر إغلاق المضيق لأكثر من ثلاثة أسابيع. ومع ذلك، تؤكد بعض التحليلات أن العوامل الخارجية ليست وحدها المسؤولة عن الزيادات المسجلة، إذ تلعب إشكالات داخلية دورًا مهمًا في تعميق الأزمة.
ومن أبرز هذه الإشكالات مسألة المخزون الاستراتيجي للمحروقات. فالقانون المغربي رقم 71-09 يفرض على شركات توزيع المحروقات الاحتفاظ بمخزون أمان يعادل 60 يومًا من المبيعات في السوق الوطنية، بهدف ضمان استقرار الإمدادات في حال حدوث اضطرابات في السوق الدولية. غير أن تقارير ومعطيات متداولة تشير إلى أن جزءًا من الشركات لا يحترم هذا الالتزام بالشكل المطلوب.
وتفيد مصادر مطلعة بأن المخزون الحالي من المواد البترولية قد لا يغطي سوى حوالي 30 يومًا من الاستهلاك الوطني، وهو رقم يثير تساؤلات بشأن قدرة البلاد على مواجهة أي أزمة مفاجئة في الإمدادات. ويأتي ذلك في وقت كان فيه احتياطي الغازوال قد بلغ، وفق معطيات رسمية أعلنتها وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي سنة 2024، حوالي 76 يومًا من الاستهلاك، ما يعكس احتمال تراجع مستوى المخزون خلال الفترة الأخيرة.
وتحذر تحليلات اقتصادية من أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات قد يفاقم الضغوط على الاقتصاد الوطني، خصوصًا في القطاعات الأكثر ارتباطًا بالطاقة مثل النقل والصناعة والفلاحة، إضافة إلى تأثيره المباشر على كلفة المعيشة للأسر المغربية. كما أن ضعف المخزون الاستراتيجي قد يزيد من هشاشة السوق الوطنية في مواجهة أي صدمات محتملة في الإمدادات العالمية.
في ظل هذه المعطيات، يبرز ملف المحروقات كأحد أبرز التحديات الاقتصادية المطروحة في المرحلة الراهنة، ما يستدعي تعزيز آليات المراقبة وضمان احترام القوانين المتعلقة بالمخزون الاستراتيجي، إلى جانب العمل على تطوير قدرات التخزين وتنويع مصادر التزود بالطاقة، بهدف تقليص تأثير تقلبات الأسواق الدولية وضمان قدر أكبر من الأمن الطاقي للمملكة.





