مستشفى الحسن الثاني بأكادير: اتفاقيات على الورق وواقع مرير على الأرض

متابعة – الحسن المودن

في ظل الأحداث الأليمة التي هزت الرأي العام مؤخرا، وتحديدا وفاة ست نساء حوامل في قسم الولادة بمستشفى الحسن الثاني بأكادير خلال أسبوع واحد، تتصاعد التساؤلات حول واقع المنظومة الصحية بالمدينة، ومآل الاتفاقيات المبرمة لتأهيل هذا الصرح الاستشفائي الحيوي.

فبينما يئن المستشفى تحت وطأة نقص التجهيزات وتدهور الخدمات، يبرز ملف اتفاقية تأهيله وصيانته التي وقعت قبل أكثر من سنتين، وتعديلها الذي رفع من قيمتها بشكل كبير، دون أن يرى أي أثر ملموس على أرض الواقع.

اتفاقية التأهيل: أرقام تتضخم وواقع يتأزم

في 30 ماي 2023، شهدت مدينة أكادير توقيع اتفاقية شراكة بين وزارة الصحة، ولاية جهة سوس ماسة، جهة سوس ماسة، وجماعة أكادير، بهدف تأهيل وصيانة مستشفى الحسن الثاني. بلغت القيمة الأولية لهذه الاتفاقية 135 مليون درهم، وكان من المفترض أن تشمل تهيئة وتجهيز المركز الاستشفائي، بالإضافة إلى بناء مصحة للأنكولوجيا ومخزن لمركز تصفية الكلي. ولكن، في أكتوبر 2024، وخلال دورة المجلس البلدي لأكادير، تم تعديل هذه الاتفاقية بشكل مفاجئ، حيث ارتفعت قيمتها من 135 مليون درهم إلى 205 مليون درهم، مع تحديد نصيب جماعة أكادير في 25 مليون درهم. وقد بررت جماعة أكادير هذا التعديل بضرورة بناء مرافق إضافية ضرورية لتحديث المركز الاستشفائي. الغريب في الأمر، أنه بعد مرور سنتين وثلاثة أشهر على التوقيع الأولي للاتفاقية، وسنة تقريبًا على تعديلها ورفع قيمتها، لم يشهد مستشفى الحسن الثاني أي تحرك ملموس على أرض الواقع بخصوص أعمال التأهيل والصيانة المتفق عليها. هذا التأخير يثير العديد من علامات الاستفهام حول جدية الأطراف الموقعة على الاتفاقية، ومدى التزامها بتعهداتها تجاه صحة المواطنين.

أحداث أليمة وصرخات استغاثة

لم تكن وفاة ست نساء حوامل في قسم الولادة بمستشفى الحسن الثاني بأكادير خلال أسبوع واحد مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الوفيات، بل كانت بمثابة صدمة هزت الرأي العام المحلي والوطني، وكشفت عن واقع مرير تعيشه المنظومة الصحية بالمستشفى. هذه الأحداث الأليمة، التي وقعت خلال الأيام الماضية، أثارت موجة غضب واسعة، ودفعت بالعديد من الفعاليات المدنية والسياسية إلى التساؤل عن أسباب هذا التدهور الملحوظ في جودة الخدمات الصحية. المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة سوس ماسة، سارعت إلى إصدار بلاغ توضيحي، نفت فيه ما تم تداوله حول ترك مواطنين يفترشون الأرض بالمستشفى، مؤكدة أنها باشرت تحقيقا داخليا عاجلا.

كما أُرسلت لجان تفتيش للتحقيق في أسباب الوفيات وتزايد الشكاوى. وعلى الصعيد البرلماني، وصل الوضع المتدهور بالمستشفى إلى قبة البرلمان، حيث سُئل وزير الصحة عن حقيقة ما يجري والإجراءات المتخذة. من جانبها، عبرت فعاليات المجتمع المدني ونبض الشارع عن استيائها الشديد من ضعف الخدمات الصحية، ونقص التجهيزات الطبية الأساسية، والاكتظاظ، وطول فترة الانتظار في أقسام الاستعجالات والعيادات الداخلية. وتصاعدت المطالب بضرورة إيجاد حلول عاجلة للمشاكل التي يتخبط فيها المستشفى، ووضع حد لمعاناة المرضى والطاقم الطبي على حد سواء، خاصة مع نفاد مخزون مواد التخدير الذي أدى إلى تأجيل العديد من العمليات الجراحية.

تساؤلات مشروعة ودعوات للتدخل في ظل هذا الوضع المأساوي.

تتصاعد التساؤلات المشروعة حول مآل اتفاقية تأهيل مستشفى الحسن الثاني. فكيف يعقل أن تمر كل هذه المدة منذ توقيع الاتفاقية، وتعديلها بزيادة ميزانيتها، دون أن يرى المشروع النور؟ وهل هناك أسباب خفية وراء هذا التأخير، أم أنه مجرد إهمال وتقاعس من قبل الأطراف المعنية؟ إن نبض الشارع وفعاليات المجتمع المدني يطالبون اليوم بإجابات واضحة وشفافة من جميع المتدخلين. فالمواطنون يئسوا من الوعود التي لا تتحقق، ومن البيانات الرسمية التي لا تعكس الواقع المعاش. ولا يمكن للمكتب المسير لجماعة أكادير أن يدعي أن المجلس الحالي هو الأفضل تواصليًا، في حين تظل أسئلة موضوعية بهذا الحجم بدون جواب.من هذا المنبر، نتوجه بنداء عاجل إلى أعضاء المجلس البلدي، أغلبية ومعارضة، وإلى جميع المسؤولين المعنيين، بضرورة التفاعل الإيجابي مع مطالب الساكنة. فصحة المواطنين ليست مجالًا للمساومة أو التأخير. إن تأهيل مستشفى الحسن الثاني أصبح ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل، خاصة في ظل الأزمات المتتالية التي يشهدها القطاع الصحي بالمدينة. يجب أن تتحول الأرقام على الورق إلى واقع ملموس يخدم الصالح العام، ويضمن حق المواطنين في الحصول على رعاية صحية لائقة.

إن قضية مستشفى الحسن الثاني بأكادير ليست مجرد قضية محلية، بل هي مرآة تعكس واقعا أوسع للمنظومة الصحية في بلادنا. إنها دعوة صريحة للمساءلة والشفافية، وللعمل الجاد والمشترك من أجل بناء مستقبل صحي أفضل لأجيالنا القادمة. فهل يستجيب المسؤولون لنداء الواجب، ويضعون حدا لمعاناة المواطنين، ويحولون الوعود إلى إنجازات حقيقية؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى