
الحسن المودن: مقال رأي
مع اقتراب موعد الانتخابات، يعود إلى الواجهة سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالته: على من سأصوّت؟
ليس السؤال بحثاً عن اسم يملأ ورقة الاقتراع فحسب، بل عن شخص يستحق الثقة، ويمتلك القدرة على تحويل الوعود إلى سياسات، والشعارات إلى إنجازات، والتمثيل الانتخابي إلى مسؤولية حقيقية. ففي ظل تشابه البرامج، وتكرار الوعود، وتبدّل التحالفات والمواقف، يجد المواطن نفسه مطالباً بالاختيار بين مرشحين لا يكفي أن يسأل عن كلامهم، بل عليه أن يتساءل عما فعلوه، وما يستطيعون فعله، وكيف سيُحاسبون بعد الوصول إلى مواقع المسؤولية.
لم يعد الاختيار سهلاً في ظل تشابه البرامج، وتكرار الوعود، وتبدّل التحالفات والمواقف، فضلاً عن مغادرة بعض المنتخبين مواقعهم من دون أن يتركوا وراءهم ما يوازي ما قدموه من وعود. وهكذا يجد المواطن نفسه أمام حيرة حقيقية: من يختار؟ وعلى أي أساس؟
ولا تكمن المشكلة في غياب البرامج فحسب، بل أيضاً في أزمة الثقة بين المواطن والسياسي. ففي كل محطة انتخابية، نسمع وعوداً بالتنمية، وخلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات، ودعم الشباب، وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز الاقتصاد المحلي. لكن ما إن تنتهي الولاية حتى يعود السؤال نفسه: ماذا تحقق فعلاً؟
فالمواطن لا يريد خطابات جميلة، بل أثراً ملموساً على أرض الواقع. يريد أن يعرف ماذا أنجز المنتخب، وما الذي عجز عن إنجازه، ولماذا. كما يريد محاسبة سياسية حقيقية، بدلاً من أن تبدأ الذاكرة من جديد مع كل انتخابات.
وتزداد الحيرة مع اتساع ظاهرة الترحال السياسي. فقد ينتقل مرشح من صف إلى آخر، وتتغير مواقف وشعارات بدت ثابتة، تبعاً للحسابات الانتخابية. ومن حق السياسي أن يراجع مواقفه أو يغادر حزبه، لكن من حق المواطن أيضاً أن يسأل: ما الذي تغير؟ ولماذا؟ وهل يتعلق الأمر بموقف مبدئي أم بحساب انتخابي؟
إلى جانب ذلك، يجعل تقارب البرامج الاختيار على أساسها أمراً صعباً. فالجميع يتحدث عن التنمية والشباب والشغل والصحة والتعليم والاستثمار، لكن الاختلاف الحقيقي ينبغي أن يظهر في التفاصيل: كيف ستتحقق هذه الأهداف؟ ما الأولويات؟ ما الموارد المطلوبة؟ وما الذي يمكن إنجازه فعلاً خلال مدة الولاية؟
وتبرز، في السياق نفسه، مشكلة اختيار المرشحين. فبدلاً من أن تكون الكفاءة والنزاهة والنضال الحزبي والقدرة على خدمة المواطنين معايير أساسية، يبدو أحياناً أن النفوذ والمال والاسم العائلي عوامل حاسمة. ولا يتعلق الأمر بالطعن في الأشخاص؛ فقد يكون بعض الأعيان وأبناء العائلات المعروفة أكفاء ونزهاء. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاسم والنفوذ والقدرة المالية أهم من الاستحقاق، وعندما يشعر المناضل الذي قضى سنوات داخل الحزب بأن جهده لا يساوي شيئاً أمام من يملك موارد انتخابية أكبر.
فالديمقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق بين الجيوب أو العائلات. الانتخابات فرصة لاختيار من يمثل المواطنين ويدافع عن مصالحهم، لا مناسبة لاختبار من يملك أكبر شبكة علاقات أو أوسع قدرة على الإنفاق.
ويزيد من إحباط المواطن اعتماد بعض الحملات على أساليب تفتقر إلى احترام الفضاء العام: أوراق تُرمى في الشوارع، وملصقات توضع في أماكن غير مخصصة، ومواكب تعيق المرور، وضجيج يحول المدينة إلى ساحة دعاية. فإذا كان المرشح يريد إقناع الناس بقدرته على تدبير الشأن العام، فلماذا يبدأ حملته بعدم احترام المدينة وسكانها؟
فالتواصل السياسي الحقيقي لا يقاس بعدد المنشورات أو السيارات أو حجم الضجيج، بل بقدرة المرشح على الجلوس مع المواطنين، والاستماع إليهم، وشرح برنامجه، والإجابة عن أسئلتهم، والاعتراف بحدود ما يستطيع تحقيقه.
لهذا أجد نفسي أمام السؤال نفسه، لكن بوعي أكبر بثقله ومسؤوليته: على من سأصوّت؟
لن أبحث عن المرشح الأكثر صخباً أو حضوراً في الصور، بل عن الإنسان الذي يقدم أسباباً حقيقية للثقة: ماذا قدم قبل الانتخابات؟ ماذا يعرف عن مشكلات الناس؟ هل برنامجه قابل للتنفيذ؟ وهل يملك الشجاعة ليقول ما يستطيع فعله وما لا يستطيع؟
ومع ذلك، تبقى مسؤولية المواطن قائمة. فالصوت ليس مجاملة لصديق، ولا هدية لقريب، ولا مقابلاً لخدمة، ولا استجابة لضغط عائلي أو اجتماعي. إنه قرار سياسي يحدد من سيتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: على من سأصوّت؟ بل أيضاً: ما الذي سأحاسب عليه من سأصوت له؟ فاختيار المنتخب لا ينتهي يوم الاقتراع، بل يبدأ منه. ومنح الصوت لا يعني تسليم شيك على بياض، وإنما إنشاء علاقة سياسية قوامها الالتزام، والشفافية، والمتابعة، والمساءلة.
وعلى الأحزاب أن تسأل نفسها: هل تريد بناء مؤسسات قوية تنتج الكفاءات، أم ستظل تبحث عن الأسماء الأكثر نفوذاً والأقدر على جلب الأصوات؟ فالسياسة لا يمكن أن تُبنى إلى الأبد على الأشخاص وحدهم.
كما أن على المنتخبين أن يدركوا أن ثقة المواطنين ليست امتيازاً دائماً، وأن الوعود الانتخابية ليست عبارات تنتهي بانتهاء الحملة. فكل وعد التزام، وكل قرار مسؤولية، وكل تقصير يستحق التفسير والمحاسبة. أما المواطن، فعليه أن يحافظ على ذاكرته السياسية، وأن يتابع أداء من اختارهم، وألا يسمح بأن تُمحى حصيلة الولاية بمجرد ظهور شعارات جديدة.
قد أجد مرشحاً أصوت له، وقد أظل محتاراً إلى آخر لحظة. لكنني لا أريد أن أمنح صوتي لمن يطلبه فقط، بل لمن يقدم سبباً مقنعاً لاستحقاقه، ولمن يقبل منذ البداية بأن يكون خاضعاً للمساءلة، لا محصناً منها.
فالصوت ليس ورقة توضع في صندوق ثم تُنسى، بل أمانة سياسية ومسؤولية مستمرة. والسؤال الحقيقي ليس فقط: من سأختار؟ بل: هل سأتابع من اخترت؟ وهل سأطالبه بالوفاء بما تعهد به؟
الصوت ثقة… والثقة لا تُطلب بالكلام، بل تُبنى بالفعل، وتُصان بالمساءلة.





