
الحسن المودن
أثار إعلان الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عن سلسلة العقوبات المرتبطة بأحداث نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة نقاشاً واسعاً في الأوساط الرياضية، حيث اعتبرها البعض دليلاً على الحزم والصرامة في فرض الانضباط، بينما رأى فيها آخرون قرارات تفتقر إلى الإنصاف في توزيع المسؤوليات. فقراءة متأنية لمضمون هذه العقوبات تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى عدالة لجنة الانضباط، وهل نجحت فعلاً في معاقبة المتسببين الحقيقيين في الأزمة، أم أنها اكتفت بمعالجة نتائجها الظاهرة فقط.
لا يمكن فهم ما جرى في المباراة النهائية بمعزل عن السياق الذي سبق لحظات الانفجار. فالتوتر لم يكن وليد اللحظة، بل تراكم تدريجياً بفعل الاحتجاجات المتكررة والتصرفات الاستفزازية الصادرة عن الجهاز الفني للمنتخب السنغالي، وعلى رأسه المدرب بابي تياو، الذي ظل يعترض بشكل مبالغ فيه على قرارات الحكم طيلة أطوار اللقاء. هذا السلوك أسهم في خلق أجواء مشحونة داخل الملعب، وانتقل تأثيره إلى اللاعبين، واضعاً طاقم التحكيم تحت ضغط كبير في مباراة تتسم أصلاً بالحساسية.
ورغم أن العقوبة الصادرة في حق المدرب السنغالي، والمتمثلة في الإيقاف والغرامة المالية، تبدو في ظاهرها صارمة، إلا أنها لا تعكس، في نظر كثيرين، حجم مسؤوليته المعنوية باعتباره الطرف الذي يفترض فيه ضبط الإيقاع وتهدئة الأجواء، لا تأجيجها. فهل من العدل مساواة سلوك مدرب مسؤول بتصرف لاعبين وجدوا أنفسهم تحت ضغط الاستفزاز والتوتر في الدقائق الأخيرة من المباراة؟ المنطق الرياضي والقانوني معاً يفرضان التمييز بين الفعل الأصلي وردة الفعل الناتجة عنه.
وتزداد علامات الاستفهام عند التمعن في تفاصيل العقوبات المالية، حيث تم تغريم الاتحاد السنغالي بمبلغ يفوق ما فُرض على نظيره المغربي، غير أن تفصيل هذه الغرامات يكشف أن جزءاً كبيراً منها ارتبط بسلوك جماهيري عام، في حين تم تحميل الجانب المغربي مسؤولية جزئيات تنظيمية دقيقة، مثل تصرفات جامعي الكرات أو استعمال أشعة الليزر. في المقابل، جرى التعامل مع سلوكيات عدوانية ومباشرة داخل الملعب من طرف لاعبين وأطر سنغالية ضمن إطار “الفوضى الجماعية”، وهو ما يوحي بازدواجية في المعايير، وسعي إلى تحقيق توازن شكلي في العقوبات أكثر من معالجة جوهر الأزمة.
كما أن رفض لجنة الانضباط النظر في الشكاية التي تقدم بها الاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم يطرح بدوره أكثر من علامة استفهام، إذ أغلق هذا القرار الباب أمام مساءلة حقيقية للأسباب التي أدت إلى انفلات الأعصاب، وكرّس انطباعاً بأن الكاف فضّل طيّ الملف بسرعة بدل الغوص في جذوره، حفاظاً على صورة الحزم، حتى وإن كان ذلك على حساب العدالة.
إن أخطر ما تحمله هذه القرارات هو الرسالة التي قد تصل إلى الفاعلين داخل الملاعب الإفريقية، ومفادها أن الاستفزاز قد يمر دون محاسبة تتناسب مع خطورته، طالما أن رد الفعل كان صاخباً وفوضوياً. لقد عوقب الجميع تقريباً، لكن المسؤوليات لم تُرتّب بدقة، وساوى القرار بين من أشعل فتيل الأزمة ومن انفجر تحت وطأتها.
وعوض أن تشكل هذه العقوبات منطلقاً لمرحلة جديدة من الانضباط الحقيقي، يخشى أن تتحول إلى سابقة تكرس ثقافة الإفلات النسبي من العقاب، وتشجع على اللعب على حافة الاستفزاز. فالعدالة الرياضية لا تقاس فقط بقيمة الغرامات أو مدة الإيقافات، بل بقدرتها على تحديد المسؤول الأول عن الأزمة، وتوجيه العقوبة إليه بدقة، بما يحفظ روح المنافسة ويصون هيبة اللعبة.





