بعد ست سنوات من اطلاق برنامج التنمية الحضرية لأكادير … ماذا تحقق فعلاً؟

الحسن المودن :

أُطلق برنامج التنمية الحضرية لمدينة أكادير، في الرابع من فبراير 2020، تحت إشراف مباشر من جلالة الملك محمد السادس، حاملاً طموحاً كبيراً لإعادة تشكيل عاصمة سوس وتحويلها إلى قطب اقتصادي وثقافي وسياحي وازن على الصعيد الوطني والدولي. وبعد مرور ست سنوات على انطلاق هذا الورش الملكي الكبير ، تفرض الحصيلة المرحلية نفسها بقوة، ليس فقط لتثمين ما تحقق، بل أيضاً لتشخيص مكامن التعثر والنقائص التي ما زالت تؤثر على وتيرة التحول المنشود.

وكشف التقييم المرحلي للبرنامج عن تقدم ملحوظ في تنزيل المشاريع المبرمجة، إذ جرى إنجاز عدد مهم منها ضمن آجال مقبولة. فمن أصل 96 مشروعاً، بكلفة إجمالية محينة تناهز 7.4 مليارات درهم، تم الانتهاء من أشغال 42 مشروعاً رئيسياً و46 مشروعاً فرعياً، بكلفة تجاوزت 4.3 مليارات درهم، ما يعكس نسبة إنجاز وُصفت بالإيجابية قياساً بحجم وتعقيد الأوراش المفتوحة.

وشملت هذه المشاريع قطاعات حيوية أسهمت في تحسين المشهد الحضري وتعزيز جاذبية المدينة، حيث همّت تأهيل المحاور الطرقية الكبرى، وإعادة هيكلة شوارع رئيسية، وإنجاز ممرات تحت أرضية، وفتح الطريق المداري، ما ساعد على تخفيف الضغط المروري وتحسين التنقل داخل المدينة. كما تم إحداث وتأهيل فضاءات خضراء وحدائق عمومية وساحات مفتوحة، وإعادة الاعتبار لكورنيش أكادير، إلى جانب إنجاز ملاعب للقرب ومرافق موجهة للشباب والأسر.

وعلى المستوى الثقافي والاجتماعي، برزت مشاريع ذات رمزية قوية، من بينها تأهيل مسرح الهواء الطلق، وبناء وتوسعة مؤسسات تعليمية، إضافة إلى إنجاز مرافق مرتبطة بالأنشطة البحرية والسياحية عند مدخل الميناء. كما عرف قطاع النقل الحضري خطوة نوعية مع إطلاق الشطر الأول من مشروع الحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة “أمل واي”، الذي يُنتظر أن يشكل رافعة أساسية لتحديث منظومة النقل العمومي.

غير أن هذه الحصيلة، على أهميتها، لا تخلو من مناطق ظل، إذ ما تزال بعض المشاريع الكبرى تعرف تأخراً مقلقاً أو تعثراً غير مبرر، ما يثير استياء الساكنة والفاعلين المحليين. ويبرز في هذا السياق ملف مستشفى الأمراض العقلية والنفسية، الذي انتهت أشغاله منذ سنوات دون أن يتم افتتاحه، في وقت تعرف فيه الجهة خصاصاً حاداً في هذا النوع من الخدمات الصحية، ما يزيد الضغط على مرافق قائمة ويعمّق معاناة المرضى وذويهم.

كما لوحظ تعرض عدد من المشاريع المنجزة للإهمال أو التخريب، من بينها منتزهات ومرافق عمومية ومرائب تحت أرضية ومساحات خضراء، تحولت في غياب الصيانة والتتبع إلى نقط سوداء بدل أن تكون متنفساً حضرياً، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول حكامة التدبير بعد مرحلة الإنجاز.

وتتداخل عدة عوامل في تفسير هذا الوضع، من تعقيدات إدارية وإشكالات عقارية، إلى تأخر تسلم بعض المشاريع من طرف الجهات المعنية، وما يترتب عن ذلك من غياب الصيانة الدورية، فضلاً عن ضعف الحس المدني لدى فئة من المواطنين، ما يجعل هذه المكتسبات عرضة للتلف والتخريب.

ورغم كل ذلك، يظل برنامج التنمية الحضرية لأكادير محطة مفصلية في مسار إعادة بناء المدينة، بعدما أحدث تحولاً ملموساً في بنيتها وتجهيزاتها وصورتها العامة. غير أن استكمال هذا التحول يظل رهيناً بتسريع إنجاز المشاريع المتعثرة، وفتح المرافق المغلقة، واعتماد مقاربة ناجعة في الصيانة والتتبع، مع إشراك فعلي للمجتمع المدني والمواطنين في حماية ما تحقق، حتى تكتمل صورة أكادير كمدينة حديثة تستجيب لتطلعات ساكنتها وزوارها على حد سواء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى