
الحسن المودن
شهدت انطلاقة كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب تأكيداً عملياً على قدرة المملكة على احتضان التظاهرات الرياضية الكبرى وفق أعلى المعايير الدولية، فاتحةً بذلك فصلاً جديداً من فصول النجاح التنظيمي. وبينما راهن البعض على التعثر وترقبوا أي هفوة محتملة، جاء الواقع الميداني ليبدد كل التوقعات السلبية، من خلال جولة أولى حققت أرقاماً قياسية غير مسبوقة، وضعت النسخة الحالية في موقع متقدم ضمن أفضل دورات “الكان” عبر التاريخ.
ومنذ صافرة البداية، كان المغرب تحت أنظار المتابعين إقليمياً ودولياً، خاصة في ظل الزخم الذي رافق إنجازاته الكروية الأخيرة واستعداداته لاحتضان كأس العالم 2030. غير أن التحدي الكبير تحول إلى فرصة لإبراز الجاهزية، حيث جاء حفل الافتتاح مبهراً، جامعاً بين الاحترافية التقنية والبعد الثقافي المغربي الأصيل، ما حظي بإشادة واسعة من وسائل إعلام دولية، اعتبرت الحدث نموذجاً في التنظيم والتقديم.
وعلى مستوى البنية التحتية، برزت الملاعب والمنشآت الرياضية في حلة تضاهي أرقى المعايير الأوروبية، بعد تجهيز تسعة ملاعب موزعة على ست مدن مغربية لاحتضان العرس القاري. كما تميز التنظيم بمقاربة شمولية، جمعت بين منظومة أمنية متطورة تعتمد أحدث التقنيات الدولية، وخدمات ضيافة وتنقل عكست عمق الكرم المغربي، إلى جانب تدبير محكم جعل من “كان 2025” بمثابة بروفة ناجحة قبل الموعد العالمي المرتقب سنة 2030.
وإذا كان النجاح التنظيمي قد شكل الانطباع الأول، فإن لغة الأرقام جاءت لتؤكد هذا المسار الإيجابي. فقد سجلت الجولة الأولى من البطولة حضوراً جماهيرياً قياسياً بلغ أزيد من 236 ألف متفرج، متجاوزة بفارق كبير أرقام نسخة كوت ديفوار 2023 التي توقفت عند حدود 157 ألف متفرج. كما عرفت المباريات إثارة هجومية لافتة، بتسجيل 29 هدفاً دون أي تعادل سلبي، في سابقة تعكس نسقاً تنافسياً مرتفعاً ومتعة كروية حقيقية داخل الملاعب.
ولم يتوقف التفوق عند هذا الحد، إذ شهدت مباراة الافتتاح بين المنتخب المغربي ونظيره من جزر القمر أكبر حضور جماهيري في تاريخ المباريات الافتتاحية، بتجاوز عتبة 60 ألف متفرج، وهو رقم غير مسبوق يعكس حجم التفاعل الشعبي والشغف الكروي الذي رافق البطولة منذ بدايتها.
هذا النجاح المتكامل لم يكن مجرد إنجاز رياضي عابر، بل شكل رداً عملياً على الأصوات التي روجت لصورة مغلوطة عن قدرة المغرب على التنظيم. فالحشود الجماهيرية الغفيرة، وسلاسة التدبير، وحداثة المنشآت، كلها وقائع ملموسة أسقطت خطاب التشكيك، وأثبتت أن الرهان على الفشل لم يكن في محله.
ويأتي هذا المسار ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جعلت من الرياضة رافعة للتنمية وواجهة حضارية تعكس صورة المغرب الحديثة. ومع انطلاقة موفقة وأرقام قياسية منذ الجولة الأولى، باتت كأس الأمم الإفريقية 2025 مرشحة بقوة لتصنيفها ضمن أفضل النسخ في تاريخ البطولة، في رسالة واضحة تؤكد أن المغرب يسير بثبات نحو إنجاح الاستحقاقات القارية والعالمية المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم 2030.





