الحملة الانتخابية.. حين تتحول الوعود والتصريحات إلى مادة للسخرية

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، لم تعد الحملة الانتخابية تقتصر على تقديم البرامج والتصورات المتعلقة بتدبير الشأن العام، بل تحولت في عدد من محطاتها إلى فضاء لتبادل التصريحات والوعود التي أثارت الكثير من الجدل، سواء بسبب مضمونها أو بسبب التناقضات التي رافقتها.

ومن بين أبرز ما طبع الحملة الحالية، تصريحات قيل فيها إن الحكومة أنفقت 280 مليار درهم خلال خمس سنوات دون فائدة، قبل أن يوضح أحد المسؤولين الحزبيين، عندما سُئل عن هذا التصريح، أنه مجرد «تصريح سياسي».

وفي ورزازات، أثار تصريح لوزيرة جدلاً بعدما تحدثت عن توفير 600 خط جوي جديد لفائدة سكان المنطقة، في حين تشير المعطيات المتداولة إلى أن العدد الفعلي لا يتجاوز خمسة خطوط، وهو ما فتح باب النقاش حول دقة الأرقام التي تقدم خلال الحملات الانتخابية.

أما التعليم، فقد دخل بدوره سوق الوعود الانتخابية، بعدما وعد أحد الفاعلين بجعل التعليم المغربي يحتل المرتبة السادسة عالمياً، ليرد عليه منافسه بأنه سيجعل المغرب في المرتبة الأولى عالمياً إذا أتيحت له قيادة الحكومة لمدة 15 سنة.

وفي ملف الأجور، ظهر وعد برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم شهرياً، في الوقت الذي أثار فيه تصريح لرئيسة مجلس وطني في أحد الأحزاب جدلاً بعدما حددت الحد الأدنى للأجور في 2600 درهم، بينما يبلغ وفق المعطيات الرسمية 3422 درهماً، قبل أن تعد برفعه إلى 3000 درهم.

ولم تكن التحالفات والتنقلات الحزبية بعيدة عن المشهد، إذ شهدت الحملة حالة غادر فيها أمين عام حزب حزبه الأصلي للترشح باسم حزب آخر، في وقت ارتفعت فيه أصوات تتهم بعض المنتقلين بين الأحزاب بـ«الخيانة»، رغم أن ظاهرة الترحال السياسي نفسها أصبحت من أبرز مظاهر الحياة الحزبية خلال السنوات الأخيرة.

وفي مشهد آخر، ظهر رئيس مجلس وطني لحزب وهو لا يعلم بوجود لجنة حكومية يعود تاريخ تأسيسها إلى تسع سنوات، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤال مدى إلمام بعض المسؤولين السياسيين بالتفاصيل المرتبطة بالسياسات والآليات الحكومية التي يفترض أن تكون جزءاً من صميم العمل السياسي.

ومن أكثر الوعود التي أثارت الانتباه، حديث أحد المرشحين عن دعم اجتماعي يصل إلى 5000 درهم شهرياً، قبل أن يعود لاحقاً للتوضيح بأن المقصود لم يكن تقديم هذا الدعم، وإنما فتح نقاش عمومي حول الموضوع.

وفي قطاع الصحة، ظهرت وعود بإيصال الرعاية الصحية إلى أبواب منازل المواطنين، والاكتفاء بالاتصال للاستفادة منها، في حين أعاد هذا الطرح إلى الواجهة وعداً سابقاً ببطاقة للرعاية الصحية قُدم قبل خمس سنوات، ليطرح المواطنون السؤال الطبيعي: ماذا تحقق من ذلك الوعد؟

حتى ظاهرة «الفراقشية» حضرت في الخطاب الانتخابي، بعدما اتهم حزب خصمه بدعم هذه الظاهرة، قبل أن يستعين، وفق ما أثير إعلامياً، بشخص سبق أن وجهت إليه اتهامات من داخل حزبه السابق ووسائل إعلام بارتباطه بها. وهي مفارقة تكشف كيف يمكن أن تتحول بعض الملفات الحساسة إلى أدوات في السجال السياسي خلال الحملات الانتخابية.

وفي حالة أخرى، ظهر أحد السياسيين بعد خمس سنوات ليؤكد أنه كان طوال هذه الفترة يبحث للمواطنين عن أموال التنمية، واصفاً منتقديه بـ«السفهاء». وعندما انتقده أحد صناع المحتوى واعتبر ما يقوم به مجرد «مناورات انتخابية»، انتهى الأمر إلى اللجوء إلى القضاء.

هذه الأمثلة، وغيرها، لا تحتاج إلى كثير من التعليق بقدر ما تحتاج إلى العودة إلى أصل التصريحات وسياقاتها، لأن جميع الوقائع المشار إليها، وفق صاحب التدوينة، موثقة بالصوت والصورة وعلى ألسنة أصحابها، ولم تتم إضافة أي حرف إليها.

وبين الوعود الكبيرة، والأرقام المتضاربة، والتصريحات التي يتم التراجع عن بعض مضامينها أو إعادة تفسيرها، والتنقل بين الأحزاب، يبقى المواطن أمام سؤال أساسي: هل المطلوب منه أن يصوت على البرامج والسياسات القابلة للقياس، أم على الوعود والشعارات التي قد تتغير بتغير السياق الانتخابي؟

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بما يقوله السياسيون خلال الحملة، وإنما بما يمكن قياسه ومحاسبتهم عليه بعد انتهائها. فالمواطن لا يحتاج إلى وعود أكبر، بقدر ما يحتاج إلى أرقام دقيقة، وبرامج واضحة، والتزامات قابلة للتنفيذ، ثم حصيلة يمكن مقارنتها بما تم التعهد به.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى