
أثار الجدل المتواصل حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد الأغنام والمواشي، وما رافقه من اتهامات بشأن استفادة فئات محدودة من مليارات الدراهم المخصصة لهذا الورش، نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وصل حد تداول معطيات تفيد بأن مجلس المستشارين رفض إحداث لجنة لتقصي الحقائق في الملف.
غير أن معطيات قانونية وبرلمانية حديثة تكشف أن ما يتم تداوله بهذا الخصوص لا يعكس حقيقة ما جرى داخل الغرفة الثانية للبرلمان.
مبادرة وُلدت في مجلس النواب
تعود بداية الملف إلى شهر أبريل 2025، حين أعلنت مكونات من المعارضة بمجلس النواب، تضم الفريق الحركي وفريق التقدم والاشتراكية والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، إطلاق مبادرة لتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي منذ سنة 2022، وذلك على خلفية الجدل الذي رافق الإعفاءات الجمركية والدعم المباشر المخصص لاستيراد الأغنام والأبقار.
وطالبت هذه المكونات البرلمانية بالوقوف على حقيقة الأموال العمومية التي صُرفت في إطار هذا الدعم، ومدى انعكاسها على أسعار اللحوم والأضاحي، فضلاً عن تحديد الجهات المستفيدة وحجم الأرباح المحققة.
أين بدأ الخلط؟
الخلط الذي وقع لدى جزء من الرأي العام مرده انتقال النقاش من مجلس النواب إلى مجلس المستشارين، حيث انتشرت منشورات تتحدث عن “تصويت فرق ومجموعات المجلس ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق”، بل ذهبت بعض التدوينات إلى اتهام فرق معارضة بالمشاركة في هذا الرفض.
غير أن رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين أكد أن هذه الرواية لا تستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي، موضحاً أن مجلس المستشارين لم يعرف أصلاً طرح أي مبادرة رسمية لتشكيل لجنة تقصي حقائق في هذا الملف.
وأكد المصدر ذاته أن الحديث عن “تصويت” داخل المجلس غير دقيق، لأن المسطرة القانونية المنظمة للجان تقصي الحقائق لا تنص على عرض الطلب على الفرق والمجموعات البرلمانية للتصويت عليه قبولاً أو رفضاً، بل تمر عبر إجراءات دستورية وقانونية محددة تبدأ بإيداع الطلب وفق الشروط المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بلجان تقصي الحقائق.
ماذا يقول الدستور؟
ينص الفصل 67 من الدستور المغربي على إمكانية تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين.
كما يحدد القانون التنظيمي رقم 085.13 والنظام الداخلي لمجلس المستشارين المسطرة الواجب اتباعها لإحداث هذه اللجان، وهي مسطرة لا تتضمن مرحلة للتصويت السياسي من طرف الفرق البرلمانية على مبدأ إحداث اللجنة.
وبناء على ذلك، فإن الحديث عن “رفض” لجنة تقصي الحقائق داخل مجلس المستشارين يظل غير مؤسس قانونياً، ما دام الطلب لم يُطرح أصلاً وفق المسطرة المنصوص عليها.
معارضة النواب تتحدث عن إجهاض المبادرة
في المقابل، تتمسك أحزاب المعارضة، وعلى رأسها الحركة الشعبية، بأن الأغلبية البرلمانية بمجلس النواب لم تنخرط في مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق، وهو ما جعل المبادرة تفقد شروطها العددية الضرورية، معتبرة أن ذلك أدى عملياً إلى تعطيل الوصول إلى آلية الرقابة البرلمانية الأوسع في هذا الملف.
ومن هنا يبرز الفرق بين معطيين مختلفين: الأول يتعلق بعدم توفر الشروط السياسية والعددية الكافية لإخراج لجنة تقصي الحقائق إلى الوجود بمجلس النواب، والثاني يتعلق بالادعاء بوجود تصويت رافض داخل مجلس المستشارين، وهو أمر تؤكد المعطيات المتوفرة أنه لم يحدث أصلاً.
بين الحقيقة والإشاعة
يكشف هذا الجدل حجم الالتباس الذي قد ينشأ عند تداول المعطيات البرلمانية المعقدة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث اختلط على كثيرين مسار المبادرة التي أطلقت داخل مجلس النواب مع وضعية مجلس المستشارين الذي لم يشهد أي إجراء رسمي مماثل.
وفي انتظار كشف كل المعطيات المرتبطة بملف دعم استيراد الأغنام والمواشي، يبقى المؤكد أن النقاش السياسي حول الموضوع ما يزال مفتوحاً، بينما تظل آلية لجنة تقصي الحقائق رهينة بالشروط الدستورية والقانونية والعددية التي يفرضها النظام البرلماني المغربي.





