
تَحوّلت مواجهة الكونغو كينشاسا والكونغو برازافيل في كأس الأمم الإفريقية 1972 إلى واحدة من أكثر المباريات غرابة في تاريخ الكرة الإفريقية، ليس بسبب نتيجتها، بل لما كشفته من ارتباك هوياتي تجاوز حدود المستطيل الأخضر، في زمن كانت فيه القارة تعيد تشكيل ذاتها بعد الاستعمار.
وجرت المباراة خلال دور المجموعات من البطولة التي احتضنتها الكاميرون، في سياق سياسي وثقافي خاص، حيث كانت دولتان متجاورتان تحملان الاسم نفسه “الكونغو” تتواجهان لأول مرة في محفل قاري رسمي. الكونغو كينشاسا، التي تُعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية، دخلت اللقاء بصفتها قوة كروية صاعدة وحاملة للقب، فيما حضرت الكونغو برازافيل بطموح كبير وإمكانات أقل وخبرة محدودة قارياً.
ولم يقتصر الارتباك على الجانب الرمزي، بل ظهر بوضوح منذ لحظات ما قبل صافرة البداية، حين أربك تشابه الاسم والرموز منظمي البطولة والجماهير ووسائل الإعلام. فقد عُزف نشيد وطني متقارب لمنتخبين مختلفين، وبدت الأعلام متشابهة إلى حدّ خلق التباس حقيقي، بينما وجد المعلقون والحكام صعوبة في التمييز بين الطرفين، خصوصاً عند تسجيل الأهداف أو إعلان القرارات الرسمية.
وأمام هذا الوضع غير المسبوق، اضطر منظمو كأس الأمم الإفريقية إلى اعتماد حل عملي فوري، تمثل في إضافة اسم العاصمة بين قوسين على لوحة النتائج وشاشات الملاعب، فصار الحديث عن “الكونغو (كينشاسا)” و“الكونغو (برازافيل)” لتفادي مزيد من الخلط.
وعلى أرضية الميدان، نجح منتخب الكونغو كينشاسا في فرض أفضليته الفنية، وحسم المواجهة لصالحه بهدفين دون مقابل، مؤكداً تفوقه وخبرته القارية، في وقت حاول فيه منتخب الكونغو برازافيل مجاراة النسق العالي للمباراة دون أن يتمكن من قلب المعطيات.
ورغم وضوح النتيجة رياضياً، إلا أن صدى المباراة تجاوز بعدها التنافسي، إذ تناقلت الصحافة الدولية عناوين لافتة من قبيل “الكونغو تهزم الكونغو”، وذهبت بعض التحليلات إلى توصيف الحدث بعبارة “الكونغو تخسر من نفسها”، في إشارة ساخرة وعميقة إلى الإشكال الهوياتي الذي فرض نفسه بقوة.
ولم يكن هذا الإحراج عابراً في السياق السياسي للمنطقة، إذ تزامن مع توجهات رسمية في الكونغو كينشاسا لإعادة بناء الهوية الوطنية. ففي إطار سياسة “الأصالة” التي أطلقها الرئيس موبوتو سيسي سيكو، والهادفة إلى القطيعة مع الإرث الاستعماري، تقرر تغيير اسم الدولة سنة 1971 إلى “زائير”، وهو اسم مستمد من اللغة المحلية ويعني “النهر العظيم”، في إشارة إلى نهر الكونغو.
وبذلك، تحولت تلك المباراة من مجرد مواجهة كروية إلى محطة رمزية عكست تداخل الرياضة بالسياسة والهوية، وأظهرت كيف يمكن لكرة القدم أن تسلط الضوء على أسئلة كبرى تتعلق بالاسم والانتماء والذاكرة، في قارة كانت آنذاك تبحث عن تعريف واضح لذاتها قبل البحث عن الألقاب.





