
الحسن المودن
عرفت بعض المدن المغربية في الآونة الأخيرة، مثل إنزكان ووجدة وتمارة، انفلاتات أمنية غير مسبوقة. تحولت خلالها احتجاجات شبابية، عُرفت بـ”حراك جيل Z”، من حراك سلمي يطالب بتحسين خدمات التعليم والصحة إلى موجات شغب وتخريب مست ممتلكات عمومية وخاصة. بل وصلت إلى اقتحام مؤسسات بنكية وإدارية، وأخطرها محاولة اقتحام مركز للدرك الملكي بالقليعة اقليم انزكان أيت ملول، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى. هذه الأحداث الصادمة تطرح أسئلة عميقة حول جذور الغضب، وحول غياب تواصل حكومي وسياسي فعّال يعالج الأزمة قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.
الأسباب العميقة: أرقام تكشف الواقع
من الواضح أن جزءاً كبيراً من هذه الانفلاتات يجد تفسيره في واقع اجتماعي واقتصادي مرير. فالأرقام لا تكذب:
- بطالة الشباب: وصل معدل البطالة بين الشباب (15-24 سنة) إلى مستويات مقلقة، حيث سجل 36.7% في عام 2024. هذا الرقم يخفي وراءه جيلاً كاملاً يشعر بانسداد الأفق وغياب الفرص.
- انتشار المخدرات: تشير التقارير إلى أن حوالي 9.4% من الشباب بين 15 و24 سنة جربوا القنب الهندي مرة واحدة على الأقل في 2023. كما أن هناك ارتفاعاً في استهلاك المهدئات والمخدرات الصلبة بين القاصرين، مما يغذي حالات التهييج الجماعي ويجعل الشباب أكثر قابلية للتورط في أعمال عنف غير محسوبة العواقب.
- أزمة المؤسسات الاجتماعية: يرى علماء الاجتماع أن الشغب هو تعبير عن “كبت اجتماعي” ناتج عن أزمة متجذرة في الأسرة والمدرسة. فعندما تفشل هذه المؤسسات في تأطير الشباب وتوجيه طاقاتهم، تصبح الشوارع والملاعب متنفساً لتفريغ الإحباط والغضب.
هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة خصبة للشغب. فهناك من يخرج للتعبير عن مطالب مشروعة، وهناك من يستغل “الحرية الجماعية” التي تمنحها الاحتجاجات لتنفيذ نوايا إجرامية، خاصة وسط شعور زائف بالإفلات من العقاب يوفره اللثام والتجمهر.
الغياب الحكومي الذي يؤجج الغضب
الجانب الأخطر في هذه الأزمة هو الصمت المطبق من طرف الحكومة والأحزاب السياسية في بداية الأحداث. فمرّت أيام دون أي مبادرة عملية أو حتى تصريحات رسمية تطمئن الشارع وتوضح مسارات المعالجة. هذا الصمت فُسّر من طرف الشباب على أنه عجز وفشل، مما عمّق أزمة الثقة ورفع الأصوات المنادية بتدخل ملكي مباشر، في إشارة واضحة إلى فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ما وراء الاتهامات الخارجية: نظرة إلى الداخل
في خضم الأحداث، ارتفعت أصوات تتهم المحتجين بتنفيذ أجندات خارجية. لكن هذا الطرح يتجاهل أن جذور الأزمة داخلية بامتياز. فالشاب الذي يغامر بحياته يومياً لعبور البحر الأبيض المتوسط، لن يتردد في التعبير عن غضبه بعنف داخل بلده. الأزمة تكمن في نظام تعليمي لا ينتج كفاءات، واقتصاد لا يوفر وظائف، ومجتمع مدني وأحزاب سياسية فشلت في تأطير وتمثيل صوت هذا الجيل.
الحاجة إلى حلول جذرية تتجاوز المقاربة الأمنية*
نحن ضد التخريب والنهب والعنف بكل أشكاله، لأنه لا يزيد الوضع إلا سوءاً، ولا يفتح أمام الشباب سوى أبواب السجون. وقد أعلنت السلطات بالفعل عن توقيف مئات الأشخاص، بينهم قاصرون، ومتابعتهم قضائياً. لكن المقاربة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها لحفظ النظام العام، لا يمكن أن تكون الحل.
إن هذه الأحداث تعكس أزمة ثقة حقيقية بين “جيل Z” ومؤسسات الدولة. هذا الجيل، الذي نشأ في عالم رقمي مفتوح، يمتلك وعياً مختلفاً وأدوات تعبير جديدة، لكنه يصطدم بواقع يشعره بالتهميش.
الانتظار اليوم منصب على ما هو أبعد من الخطابات. الأمل معقود على فتح صفحة جديدة تُنهي زمن الفساد، وتُرسخ مبدأ المحاسبة، وتعيد بناء جسور الثقة مع الأجيال الصاعدة. الحل لا يكمن فقط في معالجة آثار الشغب، بل في استئصال أسبابه عبر إصلاحات اقتصادية واجتماعية عاجلة.
إن مستقبل المغرب يعتمد على قدرته على احتواء شباب اليوم والاستماع إليهم، ليس كتهديد أمني، بل كطاقة خلاقة تحتاج إلى فرصة وأمل.





