
في سياق الاحتفالات التي تشهدها مختلف مناطق المغرب وشمال إفريقيا بمناسبة حلول رأس السنة الأمازيغية الجديدة، يكتسي الحديث عن “يناير” بعدًا خاصًا هذه السنة، في ظل الاعتراف الرسمي المتزايد بالمكون الأمازيغي كرافد أساسي من روافد الهوية الوطنية. فقد رسخ المغرب هذا التوجه بقرار تاريخي، بعدما أعلن الملك محمد السادس اعتماد رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية مؤدى عنها، في خطوة تعكس العناية الملكية بالثقافة الأمازيغية، وتكرس مكانتها داخل المنظومة الرمزية والثقافية للدولة المغربية.
وتُعد رأس السنة الأمازيغية، المعروفة بـ يناير أو إيض يناير، مناسبة ثقافية وتاريخية ذات حمولة رمزية عميقة لدى الأمازيغ في المغرب وشمال إفريقيا، إذ لا تقتصر على الاحتفال ببداية سنة جديدة، بل تشكل تعبيرًا عن هوية جماعية ضاربة في عمق التاريخ. ويرتبط هذا الموعد ببداية السنة الفلاحية، ما يجعله تجسيدًا للعلاقة المتجذرة بين الإنسان الأمازيغي والأرض، وعنصرًا أساسيًا في الذاكرة الشعبية المغربية، خاصة في القرى والمناطق الفلاحية.
ويعود أصل التقويم الأمازيغي إلى سنة 950 قبل الميلاد، تاريخ اعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر القديمة وتأسيسه للأسرة الثانية والعشرين. وينحدر شيشنق من قبيلة المشواش الأمازيغية، ويُعد من أبرز الرموز الأمازيغية في التاريخ القديم، حيث جسد قوة الأمازيغ وحضورهم السياسي والعسكري في شمال إفريقيا وشرق المتوسط. وقد تم اعتماد هذا الحدث لاحقًا كنقطة انطلاق للتقويم الأمازيغي، تخليدًا لإنجاز تاريخي يعكس مساهمة الأمازيغ في صناعة الحضارة الإنسانية.
ورغم هذا الارتباط التاريخي والسياسي، فإن التقويم الأمازيغي يُعرف في المغرب أساسًا بطابعه الفلاحي، لكونه مرتبطًا بالدورة الزراعية ومواسم الحرث والبذر والحصاد. وقد اعتمد الفلاحون المغاربة هذا التقويم لقرون طويلة كمرجع لتنظيم أنشطتهم الزراعية، ما منح احتفالات يناير بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا يعكس قيم الاستمرارية والتجدد والخصوبة، ويجعل من السنة الأمازيغية رمزًا لبداية الخير والأمل.
أما تسمية “يناير”، فتتعدد حولها التفسيرات، إذ يرجح باحثون أنها مشتقة من كلمتي “يان” (واحد) و“أير” (شهر) في الأمازيغية، بينما يربطها آخرون بالكلمة اللاتينية “Ianuarius”، في إشارة إلى الإله الروماني يانوس، رمز البدايات والتحولات، وهو ما يعكس التداخل الحضاري الذي ميز تاريخ المغرب وشمال إفريقيا.
وفي سياق إحياء الهوية الأمازيغية الحديثة، برزت منذ سبعينيات القرن الماضي مبادرات فكرية وثقافية لإعادة الاعتبار للتقويم الأمازيغي، من أبرزها مقترح اعتماد تقويم رسمي ينطلق من تاريخ اعتلاء شيشنق الأول العرش. وقد شكل هذا المسار أرضية لتعزيز حضور الثقافة الأمازيغية في الفضاء العمومي، إلى أن تُوج في المغرب بقرار ملكي تاريخي يقضي بجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية، بما يعكس إرادة واضحة لترسيخ التعدد الثقافي واللغوي، وتثمين الأمازيغية باعتبارها رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة.
ويؤكد هذا الاعتراف الرسمي أن رأس السنة الأمازيغية لم تعد مجرد تقليد شعبي، بل أصبحت محطة وطنية جامعة، تجسد عمق التاريخ المغربي وتنوع روافده الحضارية، وتعكس رؤية دولة تجعل من التعدد الثقافي مصدر قوة ووحدة، ومن يناير رمزًا للذاكرة والهوية والاستمرارية.





