تنمية ترابية مندمجة بدون تدبير ترابي مندمج :السؤال، التحديات، والقراءات الممكنة في ضوء الجيل الجديد من البرامج التنموية بالمغرب.

إبراهيم المصطور : متخصص في التواصل الترابي

من المبادئ الأولية وأبجديات الدراسات الترابية أنه لا يمكن فهم التراب (Territoire) من الأعلى، أي من المركز. فثمة اختلاف واضح بين عقل المركز (Centre) وعقل الهامش (Périphérie)، وإن كان يصعب أحيانًا استعمال مصطلح “الهامش” في هذا السياق بالذات. غير أن هذه الثنائية (المركز/الهامش) ما تزال حاضرة في واقع التنمية عمومًا، وفي التجربة المغربية خصوصًا.
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لا ترغب الدولة المركزية، وهي على دراية بواقعها الترابي، في إرساء لامركزية حقيقية ولا تمركز فعلي على مستوى الجهات والأقاليم والجماعات؟
في سياق ترابي متجدد، تبدو الدولة المركزية، باعتبارها جهازًا للاختصاصات (dispositif de compétences)، كعجوز يسير ببطء ولا يريد أن يتخلى عن عكازه، لأنه لا يثق في من قد يساعده أو يرشده. هذه الصورة الرمزية، كما يقول بول ريكور (Paul Ricœur)، تلخص دور الثقة في التدبير المفوّض لوظائف الدولة عبر الجماعات الترابية. أما مؤسسة الثقة السياسية، باعتبارها من المؤسسات اللامرئية (institutions invisibles) كما يصفها بيير روزانفالون (Pierre Rosanvallon)، فلم تجد مكانتها الحقيقية في تدبير السياسات الترابية ببلادنا. فالعقل المركزي للدولة يعلم جيدًا أن النخبة السياسية التقليدية ما تزال نخبة انتخابية بامتياز، تحركها المصلحة والانتهازية أكثر مما يحركها الهمّ العام، أي “العيش من السياسة لا من أجلها” بتعبير ماكس فيبر. لذلك، يصعب وصف أغلب السياسيين المغاربة برجال دولة، باستثناءات محدودة في أواخر القرن الماضي.
إن الدولة المركزية تدرك اليوم أنه لا يمكن الحديث عن تنمية ترابية مندمجة دون تدبير ترابي مندمج، سواء من حيث جودة الفاعلين الترابيين أو من حيث وضوح المشروع الترابي المندمج (projet territorial intégré). لكن كيف يمكن تحقيق ذلك دون إشراك الكفاءات المغربية النزيهة من خبراء ومختصين في مجالات التنمية والتراب، ماديًا وبشريًا؟
عملياً، أستبعد أن يقوم عامل إقليم أو والي جهة ما، خلال اللقاءات التشاورية الجارية، باستدعاء خبراء أو مؤرخين أو أنثروبولوجيين أو اقتصاديين من أبناء الجهة، للمشاركة في مرحلة التشخيص الترابي، وهي أهم مراحل بناء التنمية الترابية. فإشكالية التنمية، في جوهرها، إشكالية نخب، سواء كانت بالتعيين أو بالاقتراع.
ومن أبرز العوامل التي تعرقل مسار التنمية ببلادنا تمسك الدولة التقليدية بنخبها التقليدية، وبأبناء هذه النخب وأحفادهم. وهكذا تُفرّغ الشعارات الجديدة من مضمونها النبيل، وتُحوَّل إلى عبارات جوفاء تعيد إنتاج الأخطاء التاريخية نفسها.
لا معنى لتنمية ترابية مندمجة دون كفاءات مغربية مؤهلة تتناسب مع رهانات الجيل الجديد من المشاريع التنموية. ولا ينبغي أن يقتصر دور الوالي أو العامل على الرقابة الإدارية أو التأشير على الميزانيات أو حضور المهرجانات الشكلية، في حين تبقى القضايا الجوهرية معلّقة. إنها لعنة البؤس التي أصابت سردية الفعل التنموي بالمغرب، خاصة في الجنوب الشرقي والأقاليم الجنوبية.
فعلى سبيل المثال، شهدت جهة كلميم واد نون لقاءً تشاوريًا دعا إليه والي الجهة و عامل إقليم كلميم، وهيمنت عليه الوجوه السياسية التقليدية في غياب شبه تام للكفاءات الوادنونية الحقيقية التي كان يمكنها أن تساهم في انطلاقة تنموية حقيقية بالمنطقة. وللأسف، ترك النزهاء العمل السياسي، فأصبحت الساحة مرتعًا للّامعنى.
إن التراب، في عمقه، لا يمكن أن يُفهم فهمًا سطحيًا أو ظاهريًا، لأن ذلك يعني إعادة إنتاج النسق التنموي القديم نفسه. فالتراب، كما يقول برنارد بيكور (Bernard Pecqueur)، هو مجال التقاء الفاعلين الترابيين حول مشروع مندمج ومنسجم مع الخصوصيات الترابية لكل جهة أو إقليم.
في الختام، تبقى اللقاءات التشاورية الحالية خطوة أساسية لا بد منها، لكنها لن تؤتي ثمارها إلا بتجديد النخب الإدارية والمنتخبة، بما ينسجم مع التصور العام للجيل الجديد من البرامج التنموية المندمجة. فالمغرب الجديد، مغرب الخيار الديمقراطي والاعتراف الدولي بأقاليمه الجنوبية، يحتاج إلى لامركزية فكرية قبل أن تكون لامركزية إدارية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى