هل كذبت بنعلي على المغاربة؟ أين اختفى مخزون المحروقات الذي بشّرتنا به الوزيرة؟

الحسن المودن :

لم تمضِ سوى أيام قليلة على التصريحات التي وصفت بالـ”مطمئنة” لوزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، حتى وجد المغاربة أنفسهم، يوم 15 مارس 2026، أمام موجة جديدة من الزيادات القوية في أسعار المحروقات. فقد ارتفع سعر الغازوال بحوالي درهمين للتر، والبنزين بنحو 1.44 درهم، في قفزة مفاجئة دفعت المغرب إلى صدارة الدول الأعلى تكلفة في الوقود على المستوى العربي، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حارقة حول مصداقية الخطاب الرسمي ومدى انسجامه مع الواقع.

قبل ذلك بأيام، أكدت الوزيرة أن المخزون الوطني من المحروقات في وضع “جيد جداً”، مشيرة إلى أنه يتجاوز 30 يوماً كمعدل عام، ويصل في بعض الموانئ إلى أكثر من 60 يوماً، مع الحديث عن تعبئة آليات اليقظة لضمان استمرارية التزويد. غير أن هذا الطرح، الذي كان يفترض أن يبعث على الاطمئنان، سرعان ما اصطدم بمنطق اقتصادي بسيط: إذا كان المخزون فعلاً كافياً لشهر أو شهرين، فمن المفروض أن يكون قد تم اقتناؤه بأسعار سابقة أقل، وبالتالي أن يخفف من وقع أي ارتفاع مفاجئ في السوق الدولية، بدل أن تنتقل الزيادات إلى المستهلك بهذه السرعة.

الواقع الذي تكشف بعد تسعة أيام فقط يطرح مفارقة صادمة، ويفتح الباب أمام احتمالين كلاهما مقلق: إما أن المعطيات المتعلقة بالمخزون غير دقيقة وتعكس خللاً في التواصل والشفافية، أو أن شركات التوزيع تقوم بتسويق مخزون قديم بأسعار جديدة، مستفيدة من الظرفية لتحقيق أرباح كبيرة، وهو ما يثير شبهة استغلال الأزمات على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

في خضم ذلك، يبرز سؤال فعالية “خلية اليقظة” التي تم الحديث عنها، إذ يبدو أن دورها يظل محدوداً في مواكبة الزيادات وتبريرها، مقابل غياب تدخل حقيقي لحماية المستهلك. فالملاحَظ أن أسعار المحروقات في المغرب ترتفع بسرعة مع أي اضطراب دولي، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تراجع الأسعار عالمياً، ما يعكس اختلالاً بنيوياً في سوق يعرف منذ سنوات نقاشاً محتدماً حول المنافسة والشفافية.

هذا الوضع دفع جمعيات حماية المستهلك وخبراء اقتصاديين إلى رفع منسوب الانتقاد، محذرين من احتمال وجود تواطؤ غير معلن بين الفاعلين في القطاع، في وقت يجد فيه المواطن نفسه الحلقة الأضعف، خاصة وأن أي زيادة في أسعار المحروقات تنعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل وأسعار مختلف المواد والخدمات.

وفي خضم هذا الجدل، يعود ملف مصفاة “سامير” إلى الواجهة كأحد الحلول التي كان من الممكن أن تمنح المغرب هامشاً أكبر من الاستقلالية الطاقية، سواء من حيث التكرير أو التخزين. غير أن استمرار توقفها، مقابل الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، يجعل السوق الوطنية أكثر عرضة للتقلبات الدولية ولخيارات الشركات الموزعة.

في النهاية، لم يعد النقاش محصوراً في أرقام المخزون أو تبريرات الزيادات، بل أصبح مرتبطاً بثقة المواطن في طريقة تدبير هذا القطاع الحيوي. فالمخزون الذي لا ينعكس إيجاباً على الأسعار يظل بلا أثر حقيقي، والتطمينات التي لا تصمد أمام الواقع تفقد معناها سريعاً. وبين خطاب رسمي يَعِد بالاستقرار وواقع يومي يزداد كلفة، يبقى السؤال مفتوحاً: من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة في زمن تقلبات الطاقة؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى