
تشكل العلاقات المغربية السنغالية نموذجاً متقدماً للتعاون جنوب-جنوب في القارة الإفريقية، حيث لا تقتصر على الإطار الدبلوماسي الكلاسيكي، بل تمتد إلى أبعاد تاريخية وروحية واقتصادية متجذرة. وقد عرفت هذه الشراكة زخماً متجدداً مع الزيارة الرسمية التي قام بها وفد سنغالي رفيع المستوى إلى الرباط في يناير 2026، ما عكس متانة الروابط الثنائية والإرادة المشتركة للارتقاء بها إلى مستويات أكثر عمقاً وتأثيراً.
وترجع جذور العلاقات بين الرباط وداكار إلى ما بعد استقلال السنغال سنة 1960، غير أن بعدها الروحي يظل أحد أبرز ركائزها، خاصة من خلال الروابط الوثيقة التي تجمع المملكة المغربية بالزوايا الصوفية في السنغال، وعلى رأسها الطريقة التجانية. هذا الامتداد الروحي والحضاري أسهم في ترسيخ علاقة ثقة متبادلة، جعلت من البلدين شريكين طبيعيين داخل الفضاء الإفريقي، كما عززت التنسيق السياسي والدبلوماسي بينهما في مختلف القضايا الإقليمية والدولية، خاصة داخل الاتحاد الإفريقي، استناداً إلى اتفاقية التعاون الموقعة سنة 1964.
وعلى المستوى الاقتصادي، يبرز المغرب كأحد أبرز المستثمرين في السنغال، من خلال حضور قوي لمقاولاته في قطاعات استراتيجية تشمل الأبناك، الاتصالات، الطاقة، والبناء. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 3.7 مليار درهم خلال سنة 2024، ما يجعل السنغال الشريك التجاري الأول للمغرب في منطقة غرب إفريقيا، في انسجام تام مع الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي وتحقيق تنمية مشتركة ومستدامة.
وشكلت زيارة الوزير الأول السنغالي، أوسمان سونكو، إلى الرباط في 26 يناير 2026، محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، حيث تزامنت مع انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة المغربية-السنغالية. وأسفرت هذه الزيارة عن توقيع 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت مجالات حيوية من بينها الفلاحة، التعليم العالي، الطاقات المتجددة، الرقمنة، والتعاون الأمني، ما يعكس توجهاً مشتركاً نحو توسيع آفاق الشراكة لتشمل قطاعات مبتكرة وذات قيمة مضافة عالية.
كما شدد الجانبان خلال هذه الزيارة على قوة العلاقات الأخوية، مؤكدين رفضهما لأي توترات عابرة، بما فيها التوترات الرياضية المرتبطة بنهائي كأس أمم إفريقيا 2025، أن تؤثر على عمق الروابط التاريخية بين البلدين. وفي هذا السياق، أكد رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، أن العلاقات المغربية السنغالية تقوم على أسس إنسانية ودينية واقتصادية متينة، وهي علاقات تاريخية وطبيعية مرشحة لمزيد من التطور.
وتوجت الزيارة بإقامة صاحب الجلالة الملك محمد السادس مأدبة غداء رسمية على شرف الوزير الأول السنغالي والوفد المرافق له، في دلالة قوية على العناية الخاصة التي يوليها جلالته لهذه الشراكة الاستراتيجية.
وفي أفق المستقبل، تتجه العلاقات بين الرباط وداكار نحو مزيد من التكامل، خاصة في ظل المشاريع القارية الكبرى، من قبيل مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا الذي يمر عبر السنغال، والمبادرة الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي. ويقدم النموذج المغربي السنغالي مثالاً عملياً على قدرة التعاون الإفريقي-الإفريقي على الإسهام في تحقيق الاستقرار والتنمية الشاملة بالقارة.
وبذلك، تظل الشراكة بين المغرب والسنغال ركيزة أساسية للأمن والتنمية في غرب إفريقيا، ونموذجاً يحتذى به في بناء علاقات دولية قائمة على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.





