المحروقات تلتهم القدرة الشرائية.. ضرائب مرتفعة ووعود انتخابية لم تجد طريقها بعد إلى جيوب المغاربة

الحسن المودن:

في الوقت الذي تتواصل فيه الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة بفعل ارتفاع أسعار المحروقات، يعود النقاش حول حجم الضرائب التي تستخلصها الدولة من كل لتر من الغازوال والبنزين، ومدى انعكاس السياسات الحكومية المتعاقبة على كلفة المعيشة، خاصة في ظل الوعود الانتخابية التي جعلت من تحسين القدرة الشرائية وإعادة الأسعار إلى مستويات معقولة أحد أبرز عناوينها.

وبناءً على الأسعار المتداولة حالياً، والمحددة في حدود 17 درهماً للتر الواحد من الغازوال و15,50 درهماً للبنزين، فإن الضرائب المفروضة على هذين النوعين من المحروقات تشكل جزءاً مهماً من السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك، من خلال الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة.

وتشير الحسابات التقديرية، استناداً إلى معدلات الضرائب المعتمدة، إلى أن مجموع الضرائب المباشرة على لتر واحد من الغازوال يصل إلى حوالي 3,97 دراهم، فيما يبلغ نحو 5,17 دراهم بالنسبة للبنزين، مع اختلاف المبلغ النهائي بحسب السعر المعتمد وقاعدة احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

وتتوزع هذه الضرائب أساساً بين الضريبة الداخلية على الاستهلاك، التي تبلغ 2,422 درهماً عن كل لتر من الغازوال و3,764 درهماً عن كل لتر من البنزين، إلى جانب الضريبة على القيمة المضافة، التي تحتسب وفق النسبة المطبقة على المحروقات.

وبهذه المعطيات، فإن المستهلك الذي يقتني 50 لتراً من الغازوال بسعر 17 درهماً للتر، يؤدي ما مجموعه 850 درهماً، يتضمن حوالي 198 درهماً من الضرائب المباشرة، وفق الحساب التقديري المذكور. أما بالنسبة للبنزين، فإن اقتناء الكمية نفسها بسعر 15,50 درهماً للتر، أي ما مجموعه 775 درهماً، يتضمن حوالي 259 درهماً من الضرائب.

غير أن هذه الأرقام لا تطرح فقط سؤالاً اقتصادياً حول بنية أسعار المحروقات، بل تعيد أيضاً إلى الواجهة سؤالاً سياسياً يتعلق بمدى التزام الحكومة بوعودها الانتخابية، التي تعهدت من خلالها بتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، والتخفيف من آثار الغلاء، وإعادة الأسعار إلى مستويات أكثر ملاءمة للأسر المغربية.

فبعد مرور سنوات على تلك الوعود، يجد المواطن نفسه أمام واقع اقتصادي لا يزال يطبعه ارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تستمر فيه أسعار المحروقات في الضغط على ميزانيات الأسر، سواء بشكل مباشر من خلال مصاريف التنقل، أو بصورة غير مباشرة عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والخدمات.

وفي هذا السياق، يبرز انتقاد متزايد للمقاربة الحكومية التي تواصل، بحسب منتقديها، نهجاً مشابهاً لما اعتمدته الحكومة السابقة، من خلال تقديم دعم لفئات مهنية وقطاعات محددة، في محاولة للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات، مقابل استمرار باقي المواطنين في مواجهة تداعيات الغلاء دون آليات دعم مباشر وواسعة النطاق.

ورغم أهمية بعض التدابير الحكومية الموجهة لدعم مهنيي النقل وغيرهم من الفئات المتضررة، فإن السؤال الذي يظل مطروحاً هو مدى استفادة المواطن العادي من هذه الإجراءات، خاصة الموظفين والأجراء وأصحاب الدخل المحدود والمتوسط، الذين يواجهون بدورهم ارتفاع تكاليف التنقل والمعيشة، دون أن يكونوا بالضرورة ضمن الفئات المستفيدة من الدعم.

كما يثير استمرار اعتماد هذه المقاربة نقاشاً حول العدالة الاجتماعية في توزيع الدعم، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين دعم القطاعات المهنية المتضررة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين بشكل مباشر.

وفي المقابل، فإن تحديد الكلفة الحقيقية للمحروقات يتطلب احتساب مجموعة من العناصر، من بينها أسعار الاستيراد، وتكاليف النقل والتخزين، وهوامش شركات التوزيع ومحطات الوقود، فضلاً عن الضرائب والرسوم المرتبطة بالعملية. وهو ما يجعل تعزيز الشفافية في تحديد الأسعار وتوضيح مكوناتها مطلباً أساسياً لفهم حقيقة ما يؤديه المواطن مقابل كل لتر من الوقود.

وبين الوعود الانتخابية التي رفعت شعار تحسين القدرة الشرائية، والواقع الذي يواجهه المواطن المغربي يومياً، يظل السؤال قائماً: إلى متى ستظل مواجهة غلاء المحروقات قائمة على دعم بعض القطاعات المهنية، دون بلورة حلول أكثر شمولية تضمن حماية القدرة الشرائية لباقي المواطنين؟

سؤال يتجاوز مجرد أرقام الضرائب، ليضع السياسات الحكومية أمام اختبار الوفاء بالالتزامات الانتخابية، ومدى قدرتها على ترجمة الشعارات الاجتماعية إلى إجراءات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى