
الحسن المودن :
ستبقى المباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية 2026 بين المنتخبين المغربي والسنغالي واحدة من أكثر النهائيات إثارة للجدل في تاريخ الكرة الإفريقية، ليس بسبب المستوى الفني أو جمال اللعب، بل بسبب سلسلة من الأحداث غير المسبوقة التي حولت العرس الكروي القاري إلى مشهد درامي مشحون بالفوضى والتوتر. ففوز السنغال بهدف دون رد بعد التمديد طغت عليه وقائع جانبية ثقيلة، أبرزها انسحاب لاعبي منتخبها من أرضية الملعب، جدل تحكيمي واسع، وركلة جزاء ضائعة في ظروف نفسية معقدة، ما جعل اللقاء يتحول من مواجهة رياضية إلى اختبار حقيقي لإدارة الضغط وتطبيق القانون.
بلغ التوتر ذروته في الدقيقة التسعين من عمر المباراة، عندما أعلن الحكم الكونغولي جان جاك ندالا نغامبو عن ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي بعد الرجوع إلى تقنية حكم الفيديو المساعد، إثر عرقلة واضحة تعرض لها إبراهيم دياز داخل منطقة الجزاء. هذا القرار كان الشرارة التي فجّرت حدثاً غير مسبوق في تاريخ النهائيات القارية، حيث غادر لاعبو المنتخب السنغالي أرضية الملعب بشكل جماعي، باستثناء القائد ساديو ماني، احتجاجاً على القرار، وبتشجيع مباشر من المدرب باب تياو، ما أدى إلى توقف المباراة لما يقارب عشرين دقيقة وسط ذهول الجماهير والمتابعين.
هذا السلوك، الذي وصفه مدرب المنتخب المغربي وليد الركراكي بـ”المخجل”، كان من شأنه، وفقاً لقانون اللعبة، أن يؤدي إلى عواقب صارمة. فالمادة 12 من قوانين الفيفا تنص بوضوح على أن مغادرة الملعب عمداً دون إذن الحكم تُعد مخالفة تستوجب الإنذار، ما كان يفرض توجيه بطاقات صفراء لكل لاعب سنغالي غادر أرضية الملعب، إضافة إلى طرد المدرب باب تياو بسبب التحريض على رفض اللعب. كما أن استمرار الامتناع عن العودة كان سيمنح الحكم الصلاحية القانونية لإنهاء المباراة واعتبار السنغال منهزمة بالانسحاب مع ما يرافق ذلك من عقوبات تأديبية ومالية.
التدخل الحاسم الذي أنقذ النهائي من سيناريو إداري كارثي جاء من القائد ساديو ماني، الذي دخل في نقاشات مطولة على خط التماس مع نجم السنغال السابق الحاجي ضيوف والمدرب الفرنسي كلود لوروا، المحلل التلفزيوني آنذاك. وبتأثير من هذه المشاورات، تولى ماني بنفسه مهمة جمع زملائه وإقناعهم بالعودة إلى أرضية الملعب، مخاطباً إياهم بضرورة استئناف اللقاء واللعب بروح تنافسية، في موقف قيادي جنّب الكرة الإفريقية فضيحة تنظيمية كانت ستسيء لصورتها قارياً ودولياً.
بعد استئناف اللعب، تحولت الأنظار مجدداً إلى نقطة الجزاء، حيث أثار اختيار إبراهيم دياز لتنفيذ الركلة، رغم وجود أسماء اعتادت تحمل هذه المسؤولية مثل أشرف حكيمي و يوسف النصيري، نقاشاً واسعاً. دياز، هداف البطولة بخمسة أهداف، اختار التسديد بطريقة “بانينكا” في ظرف نفسي بالغ الصعوبة، بعد توقف طويل وفوضى في المدرجات وضغط ذهني غير مسبوق. غير أن الحارس السنغالي إدوارد ميندي تصدى للكرة بسهولة، ليضيع المغرب فرصة التقدم في لحظة كانت قد تحسم اللقب.
غير أن الجدل لم يتوقف عند ضياع الركلة، إذ أظهرت الإعادات التلفزيونية بوضوح تقدم الحارس إدوارد ميندي عن خط مرماه قبل لحظة تسديد الكرة، في مخالفة صريحة للمادة 14 من قانون اللعبة الصادر عن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، التي تلزم الحارس بالبقاء على خط المرمى، أو أن يكون جزء من قدمه ملامساً له، إلى حين تسديد الركلة. ووفقاً للقانون، فإن تصدي الحارس للكرة بعد مخالفة هذا الشرط يستوجب إعادة تنفيذ ركلة الجزاء، وهو ما لم يفعله الحكم رغم توفر تقنية الفيديو، في خطأ تحكيمي واضح حرم المنتخب المغربي من فرصة ثانية مشروعة. وزاد من تعقيد المشهد أن ساديو ماني كان قد منح تعليمات مباشرة لميندي بالبقاء في وسط المرمى، في محاولة لرفع الضغط النفسي على دياز قبل التنفيذ.
أمام هذه الوقائع، يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كان الانسحاب السنغالي مجرد رد فعل عفوي ناتج عن الغضب، أم تكتيكاً نفسياً مدروساً هدفه كسر إيقاع المباراة والتأثير على لاعبي المغرب. فالتوقف الطويل وما رافقه من توتر واحتجاجات أدى إلى تحطيم التركيز الذهني لـ”أسود الأطلس”، خاصة منفذ ركلة الجزاء، في لحظة كانت تتطلب أعلى درجات الهدوء. ورغم صحة قرار الحكم باحتساب الركلة، فإن طريقة الاحتجاج حولت الحدث إلى حرب نفسية أثّرت بشكل مباشر على مجريات اللقاء.
وفي تصريح يعكس حجم الاستياء، أكد وليد الركراكي أن الصورة التي قُدمت عن الكرة الإفريقية في ذلك المساء كانت “مخجلة”، معتبراً أن مطالبة مدرب لاعبيه بمغادرة أرضية الملعب لا يشرف المنافسة القارية ولا يعكس القيم التي يفترض أن تُحسم بها النهائيات الكبرى.
في المحصلة، سيظل نهائي كأس الأمم الإفريقية 2026 حالة دراسية في إدارة الأزمات داخل الملاعب، حيث أظهر الدور القيادي لساديو ماني أهميته في إنقاذ المباراة من نهاية إدارية عبثية، لكنه كشف في المقابل عن قصور واضح في تطبيق القوانين التحكيمية تحت الضغط، خصوصاً في مسألة إعادة ركلة الجزاء. فازت السنغال بالكأس، لكن المغرب خسر نهائياً في أجواء طغت فيها الدراما والجدل على الروح الرياضية، تاركة انطباعاً سلبياً عن صورة كرة القدم الإفريقية أمام جماهيرها والعالم.





