
في إطار الخطوة التاريخية التي أقدمت عليها الحكومة الإسبانية الحالية، والرامية إلى تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، والتي دافع عنها حزب «بوديموس» بقوة وجعلها من بين أولوياته قبل وبعد مشاركته في حكومة بيدرو سانشيز، تعيش الساحة السياسية والاجتماعية بإسبانيا نقاشاً واسعاً حول أبعاد هذه المبادرة وانعكاساتها المستقبلية.
وقد واجهت هذه التسوية معارضة شديدة من طرف الحزب الشعبي، الذي اعتبرها محاولة للتغطية على عدد من الإخفاقات الحكومية، سواء ذات الطابع التقني، مثل الحوادث المتكررة التي يشهدها قطاع السكك الحديدية، أو تلك المرتبطة باتهامات سياسية تتعلق بسوء التدبير والفساد المفترض في عدد من القطاعات العمومية.
أما حزب «فوكس» اليميني المتطرف، فقد ذهب أبعد من ذلك، ووجه اتهامات خطيرة للحكومة، واصفاً عملية التسوية بما أسماه «استيطاناً ديموغرافياً» لجنسيات يعتبرها «غريبة عن المجتمع الإسباني». ويأتي هذا الموقف في تناقض واضح مع الواقع الاقتصادي، إذ يعاني الاقتصاد الإسباني من خصاص حاد في اليد العاملة بعدة قطاعات حيوية، من بينها الفلاحة، النقل، رعاية الأطفال والمسنين، إضافة إلى النقص المسجل في الكفاءات المتخصصة في قطاع الإعلاميات، والوظائف الفندقية، والخدمات المتنوعة.
في المقابل، استقبلت الجالية المغربية بإسبانيا هذا القرار بارتياح كبير، بعد سنوات طويلة من المعاناة والظروف القاسية التي عاشها المهاجرون غير النظاميين فوق التراب الإسباني. وقد رافق هذا المسار نضال ميداني واسع، تمثل في وقفات احتجاجية ومظاهرات سلمية بعدد من المدن الكبرى، من بينها برشلونة، مدريد، مالقة وفالنسيا، إلى جانب حملات تضامنية أسفرت عن جمع أزيد من 700 ألف توقيع لمهاجرين من مختلف الجنسيات دعماً للتسوية.
ولم تكن سنوات الانتظار سهلة، إذ اتسمت بطولها وتعقيد مساطرها القانونية، خاصة في إطار ما كان يُعرف بـ«الرايخو الاجتماعي»، الذي فرض شروطاً صارمة وإجراءات معقدة أمام المهاجرين غير النظاميين.
وتفرض هذه التسوية الاستثنائية على جميع المستفيدين منها قدراً كبيراً من اليقظة والمسؤولية، من خلال احترام القوانين الإسبانية، والالتزام الدقيق بالمساطر المعمول بها، والمساهمة في إنجاح هذه العملية ذات البعد الإنساني والاجتماعي، والتي تُعد من أوسع وأهم عمليات التسوية التي عرفتها الساحة الأوروبية.
وفي هذا السياق، يُدعى المهاجرون المغاربة، الراغبون في الاستفادة من هذه الفرصة، إلى توخي الحذر الشديد، والابتعاد عن كل أشكال التلاعب أو التزوير، التي قد تحول حلم الاستقرار القانوني إلى كابوس حقيقي، خاصة أن ضبط أي خلل في الملفات قد يؤدي إلى الطرد الفوري والمنع من دخول دول الاتحاد الأوروبي.
ونظراً للطابع الاستثنائي لهذه التسوية، سواء من حيث حجمها أو عدد المستفيدين منها، فإن المرحلة الحالية تستدعي تضافر جهود مختلف الفاعلين، من جمعيات المجتمع المدني، ومكاتب مغاربة العالم، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، إلى جانب القنصليات المغربية والسفارة والمساجد المغربية بإسبانيا، من أجل لعب دور إيجابي وتعاوني يخدم مصلحة الجالية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى العناية بالمغاربة المقيمين بالخارج وصيانة حقوقهم.
وفي هذا الإطار، تدعو جمعية «الأيادي الحرة» بإسبانيا – مالقة، الطلبة المغاربة إلى اغتنام هذه الفرصة التاريخية لتحسين أوضاعهم الاجتماعية، وتخفيف العبء المادي عن أسرهم بالمغرب، والخروج من دوامة الهشاشة القانونية، والاستفادة من الإقامة النظامية التي تتيح الجمع بين العمل والدراسة، وتضمن الاستقرار طويل الأمد.
كما تؤكد الجمعية أن رسالتها موجهة إلى جميع المهاجرين المغاربة وغيرهم، بهدف التصدي لمافيات التزوير والسمسرة التي تستغل معاناة الفئات الهشة، داعية إلى التبليغ دون خوف عن كل من يسعى إلى استنزاف جهود الحكومة الإسبانية والمهاجرين معاً، وإفساد هذه اللحظة المفصلية في تاريخ سياسة الهجرة بإسبانيا.
إن هذه التسوية الجماعية لا تشكل مجرد إجراء إداري، بل تمثل مبادرة إنسانية واجتماعية فريدة على الصعيد الأوروبي، نابعة من وعي جماعي وتعبئة مسؤولة، نأمل أن تمر في أفضل الظروف، بما يتيح للمغاربة غير النظاميين الاندماج والاستقرار بإسبانيا، في إطار يخدم مصلحة الجميع.





